والثالثة: خصوص الخوص الذين عرفوا الأسماء والصفات فعرفوا ما خاطبهم الله تعالى به فطمأنت قلوبهم بذكره ولها شكرها له وبرضاه عنها لا برضاها عنه.
والرابعة: الأولياء وهم الذين كشف لهم عن ذاته وعلمهم علم صفاته، فأصبح لهم الصفات فأراهم أنما تعرف إلى الخلق على أقدارهم وعلمهم أخطارهم فعلموا أن سرائرهم لا تقدر أن تطمئن إليه ولا تسكن إليه، فمن كانت الأشياء في سره كذلك فبماذا يسكن ويمطئن؟! فلا يجد لقلبه طمأنينته بقدر المطمئن إليه كلما عادت الزيادة عليها أتاها حجابًا لا ينقطع بالبرق النقي؛ لأنها حجاب مستور وهباء منثور، فإذا عزمت الدخول في هذا المقام فاحتسب حظك وأعظم الله عليك أجرك.
قال الجريري: في قوله: {طُوبَى لَهُمْ} [الرعد: 29] طوبى لهم طوبى لمن طاب قلبه مع الله لحظة من عمره ورجع بقلبه إلى ربه وقتًا من أوقاته، وقال الشيبان: طوبى لمن غاب في حضرته وحضر في غيبته، وأصبح وأمسى مراعيًا لسريرته، وقال الجنيد: طابت أوقات العارفين بمعروفهم، قال الجنيد في قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ} [الرعد: 33] بالله قامت الأشياء وبه فنيت وبتجليه حسنت المحاسن وباستدباره فجت وسمجت.
وقال بعضهم: في قوله: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} [الرعد: 33] زين طرق الهلاك في عين من قدر له الهلاك فيراه رشدًا فيوصله إلى المقضي عليه الهلاك.
قال أبو زيد: اجتنب مكر النفس وانتبه له فإنه أخفى من كل خافية، وهو الذي أهلك من هلك، سُئِلَ أبو حفص في قوله: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ} [الرعد: 36] بالعبودية، قال: ترك ما لك ملازمة ما عليك مما أمرت به، وقال أبو عثمان: العبودية اتباع الأمر على مشاهدة الآمر.
وسُئِلَ سهل بن عبد الله: متى يصح للعبد مقام العبودية؟ قال: إذا ترك تدبيره ورضي بتدبير الله تعالى فيه، وقال الشيخ رضي الله عنه: العبودية محو حظوظ العبد في إثبات حقوق الرب، وبذل الوجود في نيل المقصود من العبودية.
وقال الحسن بن الفضل في قوله: {وَكَذلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} [الرعد: 37] تصح حكم العافية؛ لأنه لا حكم ينفرد به العرب إلا حكم العافية، وقال بعضهم: أحكام العرب السخاء والشجاعة وهما من عُرتي الإيمان.
قال جعفر الصادق في قوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38] أي: للرؤية وقت، وقال ابن عطاء: لكل علم بيان، ولكل إنسان عبادة، ولكل عبادة طريقة، ولكل طريقة من لم يتميز بين هذا الأحوال فليس له أن يتكلم.
وعن الواسطي في قوله: {يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] قال: منهم من جذبة الحق ومحاه عن نفسه بنفسه، ومنهم من فني عن الحق بالحق فيقام الحق بالحق عن الربوبية فضلًا عن العبودية، وقيل: {يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ} من شواهده حتى لا يكون على سر غير ربه ويثبت من يشاء في ظلمة مشاهدة حتى يكون غائبًا عن ربه أبدًا.