وروي عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد في قوله: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35] يعني: أفئدة العارفين اجعلهم آمنين من الشرك آمنين من قطيعتك.
وقوله: {وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} [إبراهيم: 37] قال: أرزقهم شكر ما أوليتهم من معرفتك، {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] أي: نعبد الهوى.
قال الدنيوري: محاربة الأصنام مختلفة، فمنهم من صمنه نفسه، ومنهم من صنمه ماله، ومنه من صنمه ولده، ومنهم من صنمه أقاربه، ومنهم من صنمه زوجته ومنهم من صنمه ضيعه، ومنهم من صنمه صلات وزكاته وحجه وصيامه، ومنهم من صنمه حاله، والأصنام مختلفة وكل واحد من الخلق مربوط بصنم من هذه الأصنام والتبرؤ هو ألا يرى الإنسان لنفسه خلافًا ولا مالًا لا يعبد من أفعاله شيئًا ولا يسكن من حاله إلى شيء، رافعًا على نفسه باللوم في جميع ما يبدو منها من الخير والشر غير راضيٍ به، وقال جعفر: لا تردني إلى مشاهدة الخلة ولا ترد أولادي إلى مشاهدة النبوة.
وقال ابن عطاء في قوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} [إبراهيم: 35] قال: إن الله أمر إبراهيم عليه السلام ببناء الكعبة فلما بناها قال: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ} [البقرة: 127] فأوحى الله إليه:"يا إبراهيم أمرتك ببناء البيت وخصصتك من الأنبياء بذلك، ومنت عليك ووفقتك لما وفقتك له، ودفعت عنك النار، فقيل له: ألا تستحي أن تمن عليَّ وتقول: ربنا تقبل منا، فثبتت منتي عليك وذكرت رؤية فعلك ومنتك"فمن أجل ذلك قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] قال: إن نفسي أشد صنم وشرها إذا تابعت هواها واشتغلت بحظها فاشغلها بك واقطعها عما سواك.
قال الجنيد: وامنعني وبني أن نرى لأنفسنا وسيلة إليك، غير الافتقار، وقال ابن عطاء: الأصنام الخلة والركون إليها وهي خطرات الغفلة وحجاب الخلة، وقال أيضًا: هي النفس لأن لكل نفس صنمها من الهوى إلا من ظهر بأنواع التوفيق.
وقال في قوله تعالى: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [إبراهيم: 36] لما ذهب فمن استبشر رأفة للمؤمنين قيل له: {وَمَن كَفَرَ} [البقرة: 126] قال في قوله: {وَمَنْ عَصَانِي} [إبراهيم: 36] لم يطع ولكن قال: فإن من صفتك الغفران والرحمة وليس على العباد.
وقال في قوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] من انقطع عن الخلق بالكلية صرف الله إليه وجوه الخلق وجعل مودته في صدورهم ومحبته في قلوبهم وذلك من دعاء الخليل لما انقطع بأهله عن الخلق والأقارب والأسباب دعاهم فقال: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] .
وقال الخواص في قوله: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}