قال الكرماني: فإن قلت: هل فرق من جهة علم المعاني بين أن يقال: ما يضيع الله إيمانكم وبين ما عليه التلاوة من القرآن العظيم؟ قلت: الفرق بالتأكيد وعدمه.
ولفظ: (عِنْدَ البَيْتِ) ثابت في جميع الروايات لكنه كما قال النووي: مشكل؛ لأن المراد صلاتكم إلى بيت المقدس، وكان ينبغي أن يقول: أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وهذا هو مراده فليتأول كلامه عليه، وقال الكرماني: ولعل مراد البخاري بقوله: (عند البيت) مكة؛ أي: صلاتكم بمكة، وكانت إلى بيت المقدس، وقال في (( المصابيح ) ): كذا وقع في الأصول.
قال السفاقسي: يريد بيت المقدس، قلت: لفظة (عند) تدفعه، والصواب كما قطع به بعضهم: إلى بيت المقدس. انتهى.
وكذا رواه الطيالسي والنسائي عن البراء بلفظ: فأنزل الله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة:143] : صلاتكم إلى بيت المقدس.
وقال في (( الفتح ) ): ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت، ولذا قيل: إنه تصحيف وأن الصواب: يعني: صلاتكم لغير البيت.
قال: وعندي أنه لا تصحيف فيه بل هو صواب، ومقاصد البخاري دقيقة، وذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصلاة بمكة، فقال ابن عباس وغيره: هي بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وأطلق آخرون: أنه كان يصلى إلى بيت المقدس، وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيف، ويلزم منه النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع بين القولين، وصححه الحاكم وغيره، فكأن البخاري أراد الإشارة إلى الأصح من الصلاة لما كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على ذلك اكتفاءً بالأولوية؛ لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع، فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا عنه، فتقدير الكلام: يعني: صلاتكم التي صليتموها عند البيت إلى البيت المقدس. انتهى.