فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 1202

واستشكل هذا: من جهة أن الله تعالى منزه عن استطابة الروائح الطيبة، واستقذار الروائح الخبيثة، فإن ذلك من صفات الحيوان.

وأجيب: بأنه مجاز واستعارة؛ لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك لتقريبه من الله تعالى، وقيل: أنه تعالى يجزيه في الآخرة، حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك، وأن صاحب الخلوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا.

وقال الكرماني: قيل: المراد عند ملائكة الله فهو على حذف مضاف، وقيل: معنى أطيب: أقبل؛ لأن الطيب مستلزم للقبول عادة؛ أي: خلوفه أقبل عند الله من قبول ريح المسك عندكم، والمقصود من التركيب: الثناء على الصائم والرضا بفعله؛ لئلا يمنعه ذلك من المواظبة على الصوم الجالب للخلوف.

وفي قوله: (فم الصائم) رد على من قال: لا تثبت الميم في الفم عند الإضافة إلا في ضرورة الشعر، وقال في (( الفتح ) )نقلًا عن القاضي حسين في (تعليقه) : إن للطاعات يوم القيامة ريحًا يفوح، قال: فرائحة الصيام فيها بين العبادات كالمسك. انتهى.

وقال ابن بطال: أي: أزكى عند الله، إذ هو تعالى لا يوصف بالشم، قال ابن المنير: لكن يوصف بأنه عالم بهذا النوع من الإدراك، وكذا بقية المدركات كالمحسوسات يعلمها تعالى على ما هي عليه؛ لأنه خالقها {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك:14] ، وهذا مذهب الأشعري.

فإن قلت: لم كان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ودم الشهيد ريحه ريح المسك مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح؟

أجيب: بأنه إنما كان أثر الصوم أطيب من أثر الجهاد؛ لأن الصوم أحد أركان الإسلام المشار إليها بقوله عليه السلام: (بني الإسلام على خمس) ، وبأن الجهاد فرض كفاية، والصوم فرض عين، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية، كما نص عليه الشافعي.

وروى الإمام أحمد في (المسند) أنه صلى الله عليه وسلم قال: (دينار تنفقه على أهلك ودينار تنفقه في سبيل الله أفضلها الذي تنفقه على أهلك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت