وأما الإتيان بـ {ثم} [البقرة:198] ، واختار الطحاوي أنها بمعنى الواو، وقيل: إنها لقصد التأكيد، لا لمحض الترتيب، وقال الزمخشري: موقع {ثم} هنا، موقعها من قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فتأتي بثم؛ لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر، عند الإفاضة من عرفات، بينّ لهم مكان الإفاضة، فقال: {ثم أفيضوا} : لتقارب ما بين الإفاضتين، وأن أحدهما صواب، والأخرى خطأ. انتهى.
وتعقبه أبو حيان: بأن الآية، ليست كالمثال، وبأنا لا نعلم أحدًا سبقه إلى إثبات هذا المعنى لثم، فتدبر
(قَالَ) : أي: عُروة، فالحديث موقوف من هنا، ولابن عساكر:: أي: عائشة (كَانُوا) : أي: الحمس (يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ) : بفتح الجيم؛ أي: مزدلفة (فَدُفِعُوا) : بضم الدال المهملة، وللكشميهني:: بالراء، ولمسلم: فرجعوا (إِلَى عَرَفَاتٍ) يعني: أُمروا أن يذهبوا إلى عرفات ليقفوا بها، ثم يفيضوا منها.
قال الخطابي: تضمن قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} : الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة إنما تكون عن اجتماع قبله.
ومثله لابن بطال، وزادوا: بين الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة، ومنتهاه.
(تنبيه)
الوقوف بعرفة من أعظم أركان الحج، وثبت من فعله عليه الصلاة والسلام ومن قوله، أما فعله: فروى أحمد بسنده عن عاصم بن عروة أنه قال: سمعت الشريد يقول: أشهد لوقفت مع رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم بعرفات، قال: (فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعًا) .
وروى الطبراني بسنده عن ربيعة - رجل من قريش - قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقف بعرفة موضعه الذي رأيت فيه في الجاهلية) ، وروى الترمذي بسنده عن علي بن أبي طالب قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: (هذه عرفة وعرفة كلها موقف) .