( {فَإِنْ تَوَلَّوْا} ) : أي: عن التوحيد ( {فَقُولُوا} ) : أي: المسلمون لهم ( {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آلِ عِمْرَانَ:64] ) : أي: لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما: اعترف لي بأني أنا الغالب وسلم لي الغلبة أو هو من باب التعريض ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره.
قال في (( التوضيح ) ): والحكمة في تخصيص هذه الآية بالإرسال إلى هرقل دون غيرها من الآي أنه نصراني والنصارى جمعت هذه الأمور الثلاثة فعبدوا عيسى وأشركوا بالله فقالوا: إنه ثالث ثلاثة واتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله.
قال البيضاوي: انظر إلى ما راعى في هذه القصة - أي: المشار إليها بهذه الآية مع ما قبلها من الآيات - من المبالغة في الإرشاد وحسن التدرج في الحجاج فبين أولًا أحوال عيسى وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للاهيته ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد أعاد عليهم الإرشاد وسلك طريقًا أسهل وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإنجيل وسائر الأنبياء والكتب ثم لما لم يُجد ذلك أيضًا فهِم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض وقال: {اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران:64] .
واستنبط السراج البلقيني من إرسال الكتاب لهم مشتملًا على الآية أن كل من
دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في الذبائح والمناكحة؛ لأن هرقل وقومه ليسوا من بني إسرائيل بل ممن دخل في النصرانية بعد التبديل وقد قال له ولقومه: ( {يا أهل الكتاب} [آل عمران:64] ) ، فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب خلافًا لمن خص ذلك بالإسرائيليين أو بمن علم أن سلفه دخل في اليهودية أو النصرانية قبل التبديل.