قال الكرماني عن الخطابي: وهذا الكلام يقتضي أن بينهما خصوصًا وجهيًا، وبذلك صرح ابن الصلاح فقال: ما في الحديث بيانٌ لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن ولأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقيادُ الظاهر، ثم إن اسم الإيمان يتناول الإسلام وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق إلى آخر ما في الكرماني.
قال في (( الفتح ) ): ويرد عليه قوله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينًا} [المائدة:3] فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معًا؛ لأن العامل غير المعتقد ليس بذي دين مرضي عند الله.
والذي يظهر من مجموع الأدلة: أن لكل منهما حقيقةً شرعية كما أن لكل منهما حقيقةً لغوية لكن كل منهما مستلزم للآخر على سبيل التكميل لهُ، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس أو يطلق أحدهما عليهما معًا فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق فإن وردا في مقام السؤال أمكن الحمل على الحقيقة، وإن لم يردا معًا أو لم يكن في مقام السؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب القرائن.
وقد حكى الإسماعيلي عن أهل السنة والجماعة قالوا: إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران، فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه، وعلى ذلك يحمل ما حكاه محمد بن نصر، وتبعه ابن عبد البر عن الأكثر أنهم سووا بينهما على ما في حديث عبد القيس، وما حكاه اللالكائي، وابن السمعاني عن أهل السنة أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل. انتهى مفرقًا.
وأقول: يرد على قوله: لكن كل منهما ... إلخ: أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد ... إلخ، فإنه يفيد أن العامل يكون مسلمًا غير كامل إذا لم يعتقد مع أنه لا يكون مسلمًا أصلًا إذا لم يعتقد بخلاف العكس، فإنه صحيح مع أنه نقل قريبًا عن البغوي أنه لا يكون الدين في محل الرضى والقبول إلا بانضمام التصديق إليه ولم يعترضه.