قال البيضاوي: والمراد هنا بالحب: الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه ويستدعى اختياره وإن كان على خلاف هوى النفس كالمريض يعاني الدواء بطبعه فينفر عنه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله باختياره لما يعلم أن صلاحه فيه، فإذا تأمل الإنسان أن الشارع لا يأمر وينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعًا لما جاء به، ويلتذ بذلك التذاذًا عقليًا إذ هو إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وليست بين هذه اللذة العقلية واللذة الحسية نسبة يعتد بها عند أرباب الكمال، والشارع عَبر عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهر اللذات الحسية، وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان؛ لأن الإنسان لا يتم إيمانه حتى يتأمل أن المنعم بالذات هو الله عز وجل، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الرءوف الرحيم الساعي في إصلاح شأنه، فبين له مراد ربه تعالى فيقتضي ذلك أن يتوجه بكليته نحوه تعالى ولا يحب إلا ما يحب لأجله لكونه واسطة بينه وبينه؛ وأن يتيقن أن جميع ما وعد به تعالى وأوعد حق يخيل إليه كالواقع فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة وأن أكل مال اليتيم أكل النار وأن العود في الكفر إلقاء فيها. انتهى بمعناه.
وعلامة كون المحبة لله تعالى: أن لا تزيد بالإقبال والإحسان، ولا تنقص بالإعراض والحرمان، ولعل هذا هو مراد يحيى بن معاذ الرازي بقوله: حقيقة المحبة لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء. انتهى.