فهرس الكتاب
قال: وأشار بذلك إلى ما أخرجه أحمد والحاكم من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخل، فلما سمعوه قالوا: انصتوا، وكانوا سبعة: أحدهم زوبعة، وأخرج مسلم عن علقمة أنه قال: قلت لعبد الله بن مسعود: هل صحب منكم أحد رسول الله ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا فقدناه ذات ليلة، فقلنا: اغتيل استطير فبتنا شر ليلة، فلما كان عند السحر إذا نحن به يجئ من قبل حراء، فذكرنا له فقال: (أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم) ، فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
قال: وهو أصح مما رواه الزهري عن أبي عثمان الخزاعي أنه أخبره أنه سمع ابن مسعود يقول: إن رسول الله قال لأصحابه وهو بمكة: (من أحب منكم أن ينظر الليلة أثر الجن فليفعل) قال: فلم يحضر منهم أحد غيري، فلما كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطًا ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق ثم قرأ القرآن، فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا وفرغ منهم مع الفجر، ثم انطلق، الحديث.
قال البيهقي: يحتمل أن قوله في (( الصحيح ) ): ما صحبه منا أحد؛ أي: في حال إقرائه القرآن، لكن قوله فيه: إنهم فقدوه يدل على أنهم لم يعلموا بخروجه، إلا أن يحمل على أن الذين فقدوه غير الذين خرجوا معه، والله أعلم. انتهى.
ثم قال: والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دال على أن ذلك كان قبل المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذلك لم يقيد المصنف الترجمة بقدوم ولا وفادة، قال: ثم لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة. انتهى.