وأجيب: بأن المراد: نسخت الزكاة المقررة فلا ينافي ما دلت عليه الآية من الوجوب، واستدل له أيضًا بقوله تعالى: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات:19] ، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (في المال حقوق سوى الزكاة) ، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانًا وجاره طاو إلى جنبيه) ، وبالإجماع على وجوب دفع حاجة المضطرين.
( {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} [البقرة:177] ) : عطف على ( {من آمن} ) ، وأثره على أوفى للدلالة على وجوب استمرار الوفاء وقيل: خبر لمحذوف؛ أي: وهم الموفون وجعله عطف على فاعل ( {آمن} ) كما في (الدر المصون) لا يخلو من ركة في معناه، ويحتمل جعله مبتدأ محذوف الخبر، أو معطوف على مقدر نحو: هم والموفون كذا، فتأمل.
وقرئ: {والموفين} ، ويأتي فيه ما في ( {الصابرين} ) وأراد بالعهد ما لا يحرم حلالًا ولا يحلل حرامًا من العهود الجارية بين العبد وربه وبين الناس بعضهم مع بعض، فإذا وعدوا أنجزوا وإذا حلفوا أو نذروا أوفوا وإذا قالوا صدقوا وإذا اؤتمنوا أدوا ونبه بقوله: ( {إِذَا عَاهَدُوا} ) : على عدم كونه من ضروريات الدين ( {وَالصَّابِرِينَ} ) : نصب على المدح و غير الأسلوب تنبيهًا على فضيلة الصبر في الشدائد على غير ما مر من الإيمان وأخواته وهو في الحقيقة معطوف على ما قبله.
قال الفارسي: إذا ذكرت صفات للمدح أو الذم فخولف في بعضها الإعراب فقد خولف للافتنان ويسمى ذلك قطعًا؛ لأن تغير المألوف يدل على زيادَة ترغيب في استماع المذكور ومزيد اهتمام بشأنه، والنصب على المدح في المعطوف وقع في غير هذا الموضع نحو {والمقيمين الصلاة} ، ونص عليه الزمخشري في (مفصله) في باب: الاختصاص قال: وقد جاء نكرة في قول الهذلي:
~ويأوي إلى نسوة عطل وشعثًا مراضيع مثل السعالي
وهذا الذي يقال: فيه نصب على المدح والذم والترحم. انتهى.