( {الَّذِينَ صَدَقُوا} ) : أي: كانوا صَادقين جادين في الدين وإتباع الحق وتحر البر إذ لم يغيرهم الأحوال ولم تزلزلهم الأهوال ( {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البَقَرَةِ:177] ) : أي: عن الكفر وسائر الرذائل، وكرر اسم إشارة زيادة في التنويه بشأنهم ووسط الضمير إشارة إلى انحصار التقوى فيهم، وفي الآية: تعريض ظاهر للكاتمين الكاذبين المدعين الاتقاء عن الشرك والرذائل.
(تنبيه)
الآية الكريمة - كما ترى - جامعة لسائر الكمالات البشرية تصريحًا أو تلويحًا، لما أنها مع تكثرها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة مع الخلق وتهذيب النفس بالمعاملة مع الحق وقد أشير إلى الأول بقوله: {من آمن} إلى: {والنبيين} وإلى الثاني بقوله: {وآتى المال} إلى: {وفي الرقاب} ، وإلى الثالث بقوله: {وأقام الصلاة} إلى آخرها، ولذلك وصف الحائز لها بالصدق نظرًا إلى إيمانه واعتقاده وبالتقوى نظرًا لحسن معاشرته مع الخلق ومعاملته مع الحق، وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: (من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان) وبهذا ظهر وجه استدلال المصنف بها ومناسبتها لتبوبيبه.
وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه عند عبد الرزاق: (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان: فتلى عليه هذه الآية) ووقع ذلك ثلاثًا.
وقال في آخر مرة أيضًا: (وإذا عملت حسنة أحبها قلبك وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك) ، ولم يسقه المصنف؛ لأنه ليس على شرطه.
وذكر الآجري في كتاب (الشريعة) من حديث المسعودي عن القاسم عن أبي ذر رضي الله عنه بلفظ: أن رجلًا سأله عن الإيمان فقرأ عليه: {ليس البر} [البقرة:177] الآية، فقال الرجل: ليس عن البر سألتك فقال أبو ذر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله كما سألتني، (فقرأ عليه كما قرأت عليك) ، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال: (ادن مني) فدنى منه فقال: (المؤمن الذي يعمل حسنة فتسره ويرجو ثوابها وإن عمل سيئة تسؤه ويخاف عاقبتها) ، انتهى.