فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 1202

{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} إلى قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} >.

قال البيضاوي: الخيط الأبيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود: ما يمتد معه من غبش الليل شبها بخيطين أبيض وأسود، ومن الفجر بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود؛ لدلالته عليه، وبقوله: {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة:187] خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل كقولك: رأيت أسدًا من فلان، فإن من فلان أخرجه عن مجاز الاستعارة إلى التشبيه.

وزيد (من الفجر) حتى كان تشبيهًا ولم يترك فتقتصر على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه وأفعل في الفصاحة؛ لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر من الفجر لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد من الفجر لذلك، فخرج عن الاستعارة وكان تشبيهًا بليغًا.

وقال البرماوي كالكرماني: وبالجملة فاستعمال الخيطين في الليل والنهار كان استعارة قبل نزول من الفجر وبعدها صار مشبهًا كما أن قولك: رأيت أسدًا مجاز، فإذا زدت من فلان رجع تشبيهًا؛ لأن الطرفين مذكوران، والاستعارة وإن كانت أبلغ من التشبيه، لكن الكامل من التشبيه أبلغ من الاستعارة الناقصة، وهي هنا ناقصة؛ لفوات شرط حسنها، وهو كون المستعار والمستعار له جليًا بنفسه، معروفًا بين سائر الأقوال، وهذا كان مشتبهًا على بعض الأقوام. انتهى.

ويجوز أن تكون من للتبعيض، فإن ما يبدو بعض الفجر، واستشكل: بأنه يلزم أن يأكل في جزء من النهار؛ لأن حتى للغاية، فيدخل ما بعدها فيما قبلها.

وأجيب: بأن الغاية غايتان غاية مد وهي التي لو لم تذكر لم يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها ومنه ما هنا، وغاية إسقاط: وهي التي لو لم تذكر؛ لكان ما بعدها داخلًا في حكم ما قبلها، ومنه قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] ؛ أي: وأسقطوا ما بعد المرافق، وقوله عليه السلام: (حتى يؤذن ابن أم مكتوم) فتأمل.

ولما بين تعالى أن مبدأ الصوم من الفجر ذكر منتهاه وغايته فقال: ( {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} ) : فهو آخر وقته وذلك بغروب الشمس، فالليل خارج عنه، فينتفي صوم الوصال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت