وقدم الرحمن على الرحيم لاختصاصه بالباري تعالى مطلقًا كلفظ الجلالة.
وقال ابن عبد السلام: اختصاصه به تعالى بعد الإسلام لا قبله وقرن بينهما للمناسبة، وقيل: قدم لأنه أبلغ.
قال السيد: وتلك المبالغة إما بحسب شمول الرحمن للدارين، واختصاص الرحيم بالدنيا كما ورد عن السلف يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، وإما بحسب كثرة أفراد المرحومين وقلتها كما ورد عنهم أيضًا: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة؛ لأن رحمة الدنيا تعم المؤمن والكافر، وإما بحسب جلالة النعم ودقتها، انتهى.
ولا يعارض ما ذكره الحديث الصحيح المستدل به لترادفهما وهو: (يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما) ؛ لأن استواؤهما في تعلق كل منهما بالدارين لا ينافي أن أحدهما أبلغ وأزيد معنى، فليتأمل.
وقيل: الرحيم أبلغ لما تقدم من قولهم: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، ونعم الآخرة كلها جسام وعلى القول بعلمية الرحمن فلا إشكال في تقديمه هذا، والمشهور أن وصفه تعالى بالرحمة مجازًا عن الإنعام أو إرادته؛ لأنها من الأعراض النفسانية المستحيلة عليه تعالى، وإذا كان مجازًا عن الإنعام فهو صفة فعل من إطلاق اسم السبب أو الملزوم على مسببه أو لازمه البعيد.
قال الإمام الرازي: إذا وصف الله تعالى بأمر ولم يصح وصفه به يحمل على غاية ذلك وملائمه، وهذه قاعدة في كل مقام، انتهى.