( {قَالَ} ) : أي: موسى ( {رَبِّ} ) : أي: يا رب بحذف حرف النداء وياء المتكلم تخفيفًا ( {أَرِنِي} ) : أي: نفسك، بحذف المفعول الثاني، وقرأ ابن كثير والدوري بإسكان الراء ( {أَنْظُرْ إِلَيْكَ} ) : بالجزم في جواب الأمر؛ أي: اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك، وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال وخصوصًا ما يقتضي الجهل بالله، ولذلك رد بقوله: لن تراني دون لن أرى، أو لن أريك، أو لن تنظر إلي تنبيهًا على أنه قاصر على رؤيته لتوقفها على معد في الرائي، ولم يوجد فيه بعده، وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا أرنا الله جهرة خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجبها لهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا: اجعل لنا إلهًا ولا تتبع سبيلهم كما قال لأخيه: ولا تتبع سبيل المفسدين، والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته إياه على ألا يراه أبدًا، وألا يراه غيره أصلًا، فضلًا عن أن يدل على استحالته ودعوى الضرورة فيه مكابرة أو جهالة بحقيقة الرؤية، فيجب حمل الآية على أن ما اعتقده موسى من الرؤية جائز لكن ظن أنه ناجز فرجع النفي، في قوله: ( {لن تراني} ) : إلى إنجاز الرؤية في الدنيا، وأما في الآخرة فجائزة وواقعة عند أهل السنة اتفاقًا على تفصيل مذكور في الأصلين وغيرهما فإن قيل: أرني يكفي في الطلب، لأنه تعالى إذا أراه نفسه فلابد أن ينظر إليه، فما فائدة قوله: بعده {أنظر إليك} .
وأجيب: بأن فائدته التوكيد والإيضاح التام، فإنه لما أردفه به أفاد طلب رفع المانع وكشف الحجاب، والتمكين من الرؤية بحيث لا تتخلف عند النظر إليه البتة كقولهم: نظرت بعيني وقبضت بيدي، وقوله: {ولكن انظر إلى الجبل} .