وقال القزاز: ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد، ألا ترى أن الرجل يركب البرذون فيقول: أخذت في ركوب البراذين ويقال: فلان كثير الدرهم والدينار ويريد الدراهم والدنانير.
ويحتمل أن ترجع قراءة الإفراد إلى الجمع بأن يراد بالمسجد: الجنس الصادق بأي فرد كان، ويكون معنى الآية: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا شيئًا من المساجد، ولا يصلحون لعمارتها، ويدخل فيها المسجد الحرام دخولًا أوليًا.
قال في (( الكشاف ) ): وإذا لم يصلحوا؛ لأن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته وهو آكد؛ لأن طريقته الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله تعالى كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك. انتهى.
ولعل هذا مراد البيضاوي بقوله: شيئًا من المساجد فضلًا عن المسجد الحرام. انتهى.
وإن كان فيه خفاء؛ فإن ظاهره: أن المراد بالمساجد: ما عدا المسجد الحرام، وأنه أولى بأن لا يعمروه، فتأمل.
( {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ} [التوبة:17] ) : الظرفان متعلقان بشاهدين وهو حال من فاعل ( {يعمروا} ) : أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة بيت الله وكفرهم بالله بعبادة غيره.
قال في (( الكشاف ) ): ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر: ظهور كفرهم وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون عراة، ويقولون: لا نطوف علينا ثياب قد أصبنا فيها المعاصي، وكلما طافوا شوطًا سجدوا لها، وقيل: هو قولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. انتهى.
وأقول: يعني: فلم يصرحوا بقولهم نحن كفار؛ ولكن فعلهم شاهد عليهم بكفرهم.
ونقل البغوي عن السدي: أن شهادتهم على أنفسهم بالكفر: أن النصراني يسأل من أنت؟ فيقول نصراني، واليهودي يقول: أنا يهودي، ويقال للمشرك: ما دينك فيقول: مشرك. انتهى.
( {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} ) : لأنها لغير الله تعالى.