فهرس الكتاب
قال: وهذه نكتة مبتكرة، قلت: إن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ إلى الأمة فمسلم؛ لكن قد يقال: هو بالنسبة إليهم ليس نسخًا، بل هو نسخ بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كلف بذلك قطعًا، ثم نسخ بعد أن بلغه، وقبل أن يفعل، فالمسألة صحيحة التصوير في حقه صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وأقول: قد اعترض الدماميني في (( المصابيح ) )على نقل ابن المنير الاتفاق على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ، فقال: قلت: بل الخلاف مأثور، نص عليه ابن دقيق العيد وغيره. انتهى.
وأقول: هو كما قال، فقد قال في (جمع الجوامع) : والمختار: أن الناسخ قبل تبليغه صلى الله عليه وسلم الأمة لا يثبت في حقهم لعدم علمهم به، وقيل: يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة، لا بمعنى الامتثال كما في النائم. انتهى.
لكن قد يقال: مراد ابن المنير باتفاق القريقين من أهل السنة والمعتزلة: أنه لم ينفرد أحدهما بجوازه، فلا ينافي وقوع خلاف من الأفراد، فتأمل
(فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى) : عليه السلام (فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ) : وللأصيلي: (فَقُلْتُ) : ولأبي ذر: (اسْتَحْيَيْتُ) : وللأصيلي: (مِنْ رَبِّي) :
أبدى ابن المنير نكتة لطيفة لقوله لموسى: (استحييت من ربي) فقال: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم تفرس من كون التخفيف وقع خمسًا خمسًا أنه لو سأل التخفيف من بعد أن صارت خمسًا، لكان سائلًا في رفعها فلذلك استحيى.
وقال في (( الفتح ) ): ويحتمل أن يكون سبب الاستحياء: أن العشرة آخر جمع القلة، وأول جمع الكثرة، فخشي أن يدخل في الإلحاح في السؤال؛ لكن الإلحاح في الطلب من الله تعالى مطلوب؛ فكأنه خشي من عدم القيام بالشكر لله تعالى. انتهى، فتدبر.