(وَأُعْطِيْتُ) : بالبناء للمجهول (الشَّفَاعَةَ) : هي سؤال فعل الخير، أو ترك الضر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة، والمراد: العظمى التي هي عامة لسائر الخلائق يوم الحشر ليفصل بينهم ويحاسبهم، وقيل: المراد:
شفاعته لا ترد، وقيل: شفاعته لإخراج من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان من النار.
واللام - كما قال ابن دقيق العيد - على الأقرب للعهد، والمراد به الشفاعة العظمى، في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وكذا جزم به النووي وغيره، فلا يرد أن الشفاعة ثابتة لسائر الأنبياء والأولياء.
وقال البيهقي: في البعث يحتمل أن الشفاعة التي يختص بها أنه يشفع لأهل الصغائر والكبائر، وغيره إنما يشفع لأهل الصغائر دون الكبائر.
ونقل عياض: أن الشفاعة المختصة به شفاعة لا ترد، ووقع في حديث ابن عباس: (وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا) وفي حديث عمرو بن شعيب: (فهي لكم ولمن يشهد أن لا إله إلا الله) .
فالظاهر - كما في (( الفتح ) )- أن المراد بالشفاعة المختصة في هذا الحديث: إخراج من ليس له عمل صالح إلا التوحيد، وهو مختص أيضًا بالشفاعة الأولى؛ لكن جاء التنويه بذكر هذه؛ لأنها غاية المطلوب من تلك لاقتضائها الراحة المستمرة، وستأتي هذه في كتاب التوحيد في حديث: (ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله) ، ولا يرد على ذلك ما وقع عند مسلم قبل قوله: (وعزتي) (فيقول: ليس ذلك لك وعزتي .. إلخ) ؛ لأن المراد: أنه لا يباشر الإخراج منها كما في المرات الماضية، بل كانت شفاعته سببًا في ذلك في الجملة.
وقال النووي: الشفاعة خمسة أقسام:
أولها: مختصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي الإراحة من هول الموقف، وطول الوقوف.
والثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب.
والثالثة: الشفاعة لقوم استوجبوا النار.
والرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين.
والخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها.
أقول: ذكر غيره أن الثانية مختصة أيضًا بنبينا صلى الله عليه وسلم.
وقال في الروضة: ويجوز أن يكون خص بالثالثة، والخامسة أيضًا.