الحديث بجملته رواه الحاكم في مستدركه بإسناد على شرط مسلم عن فضالة بن عبيد ، وساقه بلفظه إلا أنه قدم المؤمن في روايته على المسلم ، وهو حديث جليل اشتمل على أصول كثيرة في الدين يطول ذكرها .
( 34 ) ( وزاد البيهقي في شعب الإيمان برواية فضالة ) بفتح الفاء هو فضالة بن عبيد الأنصاري الأوسي ، أول مشاهده أحد ثم شهد ما بعدها وبايع تحت الشجرة ، ثم خرج إلى الشام مجاهدًا ثم انتقل إلى الشام فسكن دمشق وقضى بها لمعاوية زمن خروجه بصفين ، ومات بها في عهد معاوية سنة ثلاث وخمسين ، روى عنه ميسرة مولاه وغيره ( والمجاهد ) أي الحقيقي ( من جاهد نفسه في طاعة الله ) إذ هو الجهاد الأكبر وينشأ منه الجهاد الأصغر ( والمهاجر ) أي الكامل ( من هجر الخطايا والذنوب ) أي ترك الصغائر والكبائر ، وقيل: الذنب أعم من الخطيئة لأنه يكون عن عمد بخلاف الخطيئة ، لأن الحكمة من الهجرة التمكن من الطاعة بلا مانع ، والتبري عن صحبة الأشرار المؤثرة في اكتساب الخطايا ، فالهجرة التحرز عنها فالمهاجر الحقيقي هو المتجانب عنها .
( 35 ) ( وعن أنس ) [ رضي الله عنه ] ( قال: فلما خطبنا ) ما مصدرية أي قل خطبة خطبنا ( رسول الله ) ويجوز أن تكون كافة ، وهو يستعمل في النفي ويدل عليه الإستثناء أي ما وعظنا ( إلا قال: ) أي فيها ، ولعل الحصر غالبي ( لا إيمان ) أي على وجه الكمال ( لمن لا أمانة له ) في النفس والأهل والمال ، وقيل: فيما استؤمن عليه من حقوق الله وحقوق العباد التي كلف بها ، وقد قال تعالى: 16 ( { إنا عرضنا الأمانة على السموات } ) الآية [ الأحزاب 72 ] . والإنسان فيها هو آدم ثم ذريته ، ومع كونه 16 ( { ظلومًا } ) أي ظلم نفسه بالتزامه بحمل ما فيه كلفة عظيمة عليها ، المؤدي إلى عدم قيامها به ، لا سيما على الوجه الأكمل 16 ( { جهولًا } ) لأنه جهل خطر تلك الأمانة ومشقة رعايتها عند تحمله لها ، وإنما انتفى كمال الدين بانتفائها لأنه يؤدي إلى استباحة الأموال والأعراض والأبضاع والنفوس وهذه فواحش تنقص الإيمان وتقهقره إلى أن لا يبقى منه إلا أقله ، بل ربما أدت إلى الكفر ومن ثم قيل: المعاصي بريد الكفر ( ولا دين ) على طريق اليقين ( لمن لا عهد له ) بأن غدر في العهد واليمين ، قيل: هذا الكلام وأمثاله وعيد لا يراد به الإنقلاع بل الزجر . ونفي الفضيلة دون الحقيقة ، وقيل: يحتمل أن يراد به الحقيقة فإن من اعتاد