من علامة انشراح الصدر بحيث تؤثر صحبته في جميع الأمور ويزهد أصحابه في الدنيا وتوابعها من تحصيل المال والجاه زيادة على قدر الحاجة الموصلة إلى دار العقبى ، بل يجعلهم فارغين عن أمور الكونين على ما أشار إليه خلع النعلين غائبين عن السوى حاضرين في حضرة المولى ذاهلين عن مراقبة الفناء واصلين إلى مشاهدة البقاء حاصلين في الجنة العاجلة على لذة اللقاء . فهذا العارف حينئذ خليفة الأنبياء وقائم مقام الأولياء الأصفياء رزقنا الله رؤيته وخدمته وصحبته . ( رواهما ) أي الحديثين ( البيهقي في شعب الإِيمان ) والحديث الأول منهما أخرجه ابن المبارك في الزهد والفريابي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي جعفر المدايني رجل من بني هاشم ، وليس هو محمد بن علي: قال: سئل النبي أي المؤمنين أكيس . قال: أكثرهم ذكرًا للموت وأحسنهم لما بعده استعدادًا . قال: وسئل النبي عن هذه الآية: 16 ( { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } ) [ الأنعام 125 ] . قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله . قال: نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح له . قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها . قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت . وفي رواية: قبل نزول الموت . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: 16 ( { ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } ) . يقول: يوسع قلبه للتوحيد والإِيمان به ، 16 ( { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا } ) يقول شاكًا: 16 ( { كأنما يصعد في السماء } ) . يقول: كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر على أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه . وللحديث في الدر المنثور طرق كثيرة والله [ تعالى ] أعلم .
المراد بالفضل هنا زيادة الأجر والثواب لا فضيلة المال وزيادة تحسين الثياب . وقوله: وما كان من عيش النبي ، أي معيشته . وفي نسخة: من عيش رسول الله على فضل الفقراء على ما لا يخفى . ونكته الجمع بينهما أنه كان عيشه عيش الفقراء كأكثر الأنبياء والأولياء ، وكفى به فضلًا للفقراء على الأغنياء وإن خفي هذا الأمر على بعض الأغنياء ممن ادعى أنه من العلماء .