هو لغة الإمساك مطلقًا ومنه قوله تعالى: 16 ( { إني نذرت للرحمن صومًا } ) [ مريم 26 ] أي إمساكًا عن الكلام وشرعًا إمساك عن الجماع وعن إدخال شيء بطنًا له حكم الباطن من الفجر إلى الغروب عن نية كذا عرفه ابن الهمام ثم قال: وهذا ثالث أركان الإسلام شرعه سبحانه لفوائد أعظمها ، كونه موجبًا لشيئين أحدهما ناشيء عن الآخر سكون النفس الأمارة وكسر شهوتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان ، والإذن والفرج فإن به تضعف حركتها في محسوساتها ولذا قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء ، وإذا شبعت جاعت كلها والناشيء عن هذا صفاء القلب عن الكدر ، فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين ، وباقيها وبصفائه تناط المصالح والدرجات ، ومنها كونه موجبًا للرحمة والعطف على المساكين فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ، ذكر من هذا حاله في عموم الساعات فتسارع إليه الرقة عليه والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن ، فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه ، فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء ، ومنها موافقة الفقراء يتحمل ما يتحملون أحيانًا وفي ذلك رفع حاله عند الله ، كما حكى عن بشر الحافي أنه دخل عليه رجل في الشتاء فوجده جالسًا يرعد وثوبه معلق على المشجب فقال له: في مثل هذا الوقت تنزع الثوب ، أو معناه فقال يا أخي الفقراء كثير ، وليس لي طاقة مواساتهم بالثياب فأواسيهم بتحمل البرد كما يتحملون . اه . ولهذا كان يقول بعض الأولياء العارفين: عند كل أكلة: اللهم لا تؤاخذني بحق الجائعين ، وقد ثبت أن سيدنا يوسف عليه السلام ما كان يشبع من الطعام في سنة القحط ، مع كثرة المأكول عنده في ذلك العام لئلا ينسى أهل الجوع والفاقة وليتشبه بهم في الخاصة والحاجة ، ثم كانت فرضية صوم رمضان ، بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة ، كذا ذكره الشمني وقيل: لم يفرض قبله صوم وقيل كان ثم نسخ فقيل عاشوراء وقيل الأيام البيض ، قال ابن حجر: وصح أنه لما فرض استنكروه وشق عليهم فخيروا بين الصوم وإطعام مسكين عن كل يوم كما في أول الآية ثم نسخ بما في آخرها 16 ( { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ) [ البقرة 185 ] ولما فرض كان يباح بعد الغروب تعاطي المفطر ، ما لم يحصل نوم أو يدخل وقت العشاء وإلا حرم ثم نسخ ذلك وأبيح تعاطيه إلى طلوع الفجر .