فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 6013

زوال الجبل عن مكانه دون الخلق المقدر عما قدر عليه . ا ه . فإن قلت مدار الصوفية على تبديل الأخلاق فكيف هذا الحديث ؟ قلت: التحقيق أن كل أحد خلق وطبع فيه الأخلاق جميعها وهي صالحة بأصلها أن تكون حميدة وأن تكون ذميمة ، وإنما تحمد إذا كانت متوسطة بين طرفي الإفراط والتفريط والذميمة ضدها ؛ فمثلًا السخاوة صفة معتدلة بين الإسراف والبخل ، وكذا الشجاعة بين التهوّر والجبن ، وكذا التواضع بين الضعة والتكبر ، والغالب على الناس [ عادة ] عدم الإعتدال ، فالصوفية يجاهدون ويرتاضون في الأخلاق ليبدلوها عن مقتضى العادة ويعدلوها على سنن الإستقامة والعبادة ، ولذا قيل: الإرادة ترك العادة ، ومن جملتها [ البغض ] وحالة اعتداله المحمود أن يكون في محله المرضي عند الله على القدر المحدود في الشرع ، وكذلك ضده المحبة . ولذا قال: ( من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه ) ، وأما إزالة صفة البخل من أصلها بالكلية فغير ممكنة إلا بالجذبة الإلهية ، ولذا قال تعالى: 16 ( { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورًا } ) [ الإسراء 100 ] أي بخيلًا ، وقال عليه الصلاة والسلام: ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأبتغى ثالثًا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) ، بل قيل: لو أزيلت الصفات الذميمة بالكلية عن الإنسان يكون ناقصًا إذ كماله أن تغلب صفاته الحميدة وبهذا فضل نوع الإنسان على نوع الملك والله أعلم . والحاصل: أن التبديل الأصلي الذاتي غير ممكن كما أشار إليه الحديث النبوي ، وأما التبديل الوصفي فهو ممكن ، بل العبد مأمور به ويسمى تهذيب النفس وتحسين الأخلاق . قال تعالى: 16 ( { قد أفلح من زكاها } ) [ الشمس 9 ] وفي الحديث: ( حسنوا أخلاقكم ) ، وفي الدعاء: ( اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي ) ، ( واللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق لا يهدى لصالحها إلا أنت ) ، ومن أراد الإستيفاء فعليه بالأحياء . ويمكن أن يقال إن الخلق المبرم لا يبدل والخلق المعلق يغير وهو مبهم عندنا معلوم عند الله فعلينا المجاهدة ، فكل ميسر لما خلق له . ولهذا ترى كثيرًا من المرتاضين لم تحسن أخلاقهم في أزمنة طويلة وبعضهم تبدل أخلاقهم الذميمة بالحميدة في مدة قليلة ، أو النفي محمول على العادة من غير حصول الأسباب العادية والإثبات على خرقها ، وهو تارة يكون بالجذبة الإلهية ، وتارة بالرياضات النفسية ، وتارة بالعلوم والمعارف الربانية . قال ابن حجر: وفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي استحضار هذا في النظر للخلق بعد وقوع الأفعال منهم حتى تقام أعذارهم في كثير من أحوالهم التي لا يترتب على إقامتها فيها محذور ، فإن كلا يجري في تيار ما قدر له لا يخرج عنه مثقال ذرة في حركاته وسكناته . ( رواه أحمد ) وكذا ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردوديه في تفاسيرهم كلهم من طريق أبي جعفر الراوي عن الربيع عن أنس عن أبي العالية عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت