( وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إن رسول الله قال:( من رآني ) ) أي مثالي (( في المنام فقد رآني ) ) أي فكأنه قد رآني في عالم الشهود والنظام ، لكن لا يبتني عليه الأحكام ليصير به من الصحابة وليعمل بما سمع به في تلك الحالة كما هو مقرر في محله ، وقيل: أراد به أهل زمانه أي من رآني في المنام يوفقه الله تعالى لرؤيتي في اليقظة إما في الدنيا أو في الآخرة ، ويدل عليه حديث أبي هريرة الآتي ( فسيراني في اليقظة ) ، ولعل التعبير بصيغة الماضي تنزيلًا للمستقبل منزلة المحقق الواقع في الحال ، وإن كان يقع في المآل . وقيل: يراه في الآخرة على وفق منامه بحسب مقامه ؛ وقيل: هو بمعنى الأخبار أي من ( رآني في المنام فأخبروه بأن رؤيته حقيقة وحقة ليست بأضغاث أحلام ) (( فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ) ) ، أراد به صفته المعروفة له في حياته ، وقيل: ( من رآني على أي صورة كانت فقد رآني حقيقة لأن الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا يتراآى بي ) كما في رواية . ( متفق عليه ) . وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أنس ولفظه: ( لا يتمثل بي ) ، وفي رواية للترمذي في الشمائل ( لا يتصوّر ) أو قال: ( لا يتشبه بي ) ، وفي أخرى ( لا يتمثلني ) هذا وقد قال الطيبي: الشرط والجزاء اتحدا فدل على التناهي في المبالغة كما يقال: من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى أي أدرك مرعى متناهيًا في بابه أي من رآني فقد رأى حقيقتي على كماله لا شبهة ولا ارتياب فيما رآى ، ويدل عليه قوله أي في الحديث الآتي فقد رآني الحق ، والحق هنا مصدر مؤكد أي من رآني ، فقد رآني رؤية الحق . وفي البخاري ومسلم والحميدي وجامع الأصول فقد رأى الحق على أن الحق مفعول به وقوله: فإن الشيطان كالتتميم للمعنى والتعليل للحكم . قال النووي: اختلفوا فيه ، فقال ابن الباقلاني معناه أن رؤياه صحيحة ليست بأضغاث أحلام ، ولا من تشبيهات الشيطان أو تسويلاته ، قال: وقد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة كمن يراه أبيض اللحية ، وقد يراه شخصان في زمان واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب ويراه كل منهما في مكانه ، حكاه المازري عنه ثم قال: وقال الآخرون: بل الحديث على ظاهره ؛ والمراد أن من يراه فقد أدركه وليس لمانع أن يمنعه وأن العقل لا يحيله حتى يضطر إلى التأويل ، وأما قوله: فإنه قد يرى على خلاف صفته أو في مكانين معًا فإنه تغيير في صفاته لا في ذاته فتكون ذاته مرئية ، وصفاته متخيلة غير مرئية والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة ولا يكون المرئي مدفونًا في الأرض ولا ظاهرًا عليها ، وإنما يشترط كونه موجودًا فلو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من صفاته المتخيلة لا المرئية . قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: فقد رآني إذا رآه على صفته المعروفة له