نصفها )
( وعن أبي ذر قال: قال لي: ) أي مخاطبًا ( رسول الله:( يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ) ) . قال الطيبي: أراد بالتدبير العقل المطبوع لما سبق من أن العقل المسموع لا يعتد به ولا يحتسب لصاحبه إلا بالعقل المطبوع ، قلت: وقد تقدم أن العقل المطبوع لا نفع له بدون العقل المسموع بل ربما ينفع المسموع بدون المطبوع كمن آمن بمجرد التقليد ، فالمعنى لا عقل كعقل التدبير أي كالعقل الذي يصحبه التدبير وهو الذي ينظر في دبر الأمر وعاقبته ، ويميز ما يحمد ويذم في الآخرة ، ولا شك أن مداره على العقل المسموع (( ولا ورع كالكف ) ) أي ولا تورع عن المحرمات والشبهات مثل الكف عن المعاملات وترك المباحات إلا الضروريات (( ولا حسب ) ) أي لا مكرمة ولا شرف (( كحسن الخلق ) ) أي كمداراة الخلق مع مراعاة الحق . هذا وفي النهاية الورع في الأصل الكف عن المحارم والتحرج فيه ثم استعير للكف عن المباح والحلال ، قلت: فالمراد بالورع في الحديث معناه الأصلي ، وبالكف معناه العرفي على ما قررناه ، ولما غفل الطيبي عما حررناه قال بعد كلام صاحب النهاية: فإن قلت: فعلى هذا الورع هو الكف فكيف قيل: ولا ورع كالكف قلت: الكف إذا أطلق فهم منه كف الأذى أو كف اللسان كما قال: ( كف هذا وأخذ بلسانه ) كما قيل: ولا ورع كالصمت أو الكف عن أذى المسلمين ولا حسب كحسن الخلق أي لا مكارم مكتسبة كحسن الخلق مع الخلق ، فالأوّل عام والثاني خاص . قلت: الصواب أن الأول خاص والثاني عام ، لأن حسن الخلق شامل لجميع أنواع المستحسنات ، ولذا ورد ( الخلق الحسن أحسن الحسن ) . وقال تعالى: 16 ( { وإنك لعلى خلق عظيم } ) [ القلم 4 ] فكل الصيد في جوف الفرا والله أعلم .
( وعن ابن عمر قال: قال رسول الله:( الاقتصاد في النفقة ) ) أي في صرفها أو في الإنفاق (( نصف المعيشة ) ) وهو مقتبس من قوله تعالى: 16 ( { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا } ) [ الفرقان 67 ] (( والتودد إلى الناس ) ) أي التحبب إلى المؤمنين الصالحين (( نصف العقل ) ) أي استعمال نصفه أو سبب تحصيل نصفه ، فإنه