فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 6013

كان الإيمان بالقدر مستلزمًا للإيمان بالقضاء لم يتعرض له ، وذكر الراغب أن القدر هو التقدير ، والقضاء هو التفصيل فهو أخص ، ومثل هذا بأن القدر ما أعد للبس والقضاء بمنزلة اللبس ، ويؤيده ما ذكره الحكيم الترمذي: ( إنه كان في البدء علم ثم ذكر [ ثم مشيئة ] ثم تدبير ثم مقادير ثم إثبات في اللوح ثم إرادة ثم قضاء ) ، فإذا قال: كن فكان على الهيئة التي علم فذكر ثم شاء فدبر ثم قدر [ ثم ] أثبت ثم قضى ، فعلم منه أنه ما من شيء من حيث استقام في العلم الأزلي إلى أن استقام في اللوح ثم استبان إلا يتعلق به أمور من الله تعالى . قال بعض العارفين: إن القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه ، والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب ، ووضع التلميذ الصبغ عليها متبعًا لرسم الأستاذ هو الكسب والإختيار ، وهو في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ ، كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر ولكنه متردد بينهما .

هذا والقدرية فسروا القضاء بعلمه بنظام الموجودات وأنكروا تأثير قدرة الله تعالى في أفعال المخلوقات ، ومعتقد أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله تعالى مرادة له ، ومع ذلك هي مكتسبة للعباد لأن لهم نوع اختيار في كسبها وإن رجع ذلك في الحقيقة إلى إرادته تعالى وخلقه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وهذا أوسط المذاهب وأعدلها وأوفقها للنصوص ، والحق والصواب خلافًا للجبرية القائلين بأن العباد مجبورون على أفعالهم ؛ إذ يلزمهم أن لا تكليف ، ومن اعترف منهم بهذا اللازم فهو كافر بخلاف من زعم أن سلب قدرة العبد من أصلها إنما هو تعظيم لقدرة الله تعالى عن أن يشركه فيها أحد بوجه فإنه مبتدع ، وخلافًا للقدرية النافين للقدر وهم المعتزلة القائلون بأن العبد يخلق أفعال نفسه ، وأن قدرة الله تعالى لا تؤثر فيها ، وأن إرادته لا تتعلق بها لإستقلال قدرة العبد بالإيجاد والتأثير في أفعاله ؛ إذ يلزمهم أن له تعالى شركاء في ملكه سبحانه فمن اعتقد حقيقة الشركة قصدًا فقد كفر أو تنزيه الله تعالى عن الفعل القبيح فهو مبتدع . رُوي أنه كتب الحسن البصري إلى الحسن بن علي رضي الله عنهم يسأله عن القضاء والقدر فكتب إليه الحسن بن علي: ( من لم يؤمن بقضاء الله وقدره وخيره وشره فقد كفر ، ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر ، وأن الله تعالى لا يطاع استكراهًا ولا يعصى بغلبة لأنه تعالى مالك لما ملكهم وقادر على ما أقدرهم ، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا ، وإن عملوا بالمعصية فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك ، ولو جبر الله الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب ، ولو جبرهم على المعصية لأسقط عنهم العقاب ولو أهملهم كان ذلك عجزًا في القدر ، ولكن له فيهم المشيئة التي غيبها عنهم ، فإن عملوا بالطاعة فله المنة عليهم وإن عملوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت