فهرس الكتاب

الصفحة 1065 من 1503

فاعلم: أنه لا يجوز التهاون بالتفسير الظاهر أولًا، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، وهذا أمر اتفاقي. وإنما الخلاف في أن وراءه معاني أخر يفهمها من أعطى فهمه أم لا؛ والحق جواز ذلك عقلًا ونقلًا.

أما نقلًا: فقوله صلى الله عليه وسلم: (أن للقرآن ظهرًا وبطنًا وحدًا ومطلعًا) ؛ وقال علي رضي الله عنه: لو شئت لأوقرت سبعين بعيرًا من تفسير فاتحة الكتاب؛ وقوله أيضاَ: إلا أن يؤتى الله عبداَ فهمًا في القرآن. ومعلوم أن تلك البطون والحد لم تنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أيضًا أن وقر سبعين بعيرًا في الفاتحة لم يمكن بالنقل، وكذا ما يؤتى الله عبدًا فهما خارج عن النقل، فظهر أن في القرآن معاني كثيرة وراء النقل. ومثال هذه الأخبار والآثار كثيرة.

وأما عقلًا: فهو أن النهي عن التفسير بالرأي: أما لحمله على معتقده الباطل وهواه؛ وأما بأن يعتقد على ذلك جهلًا، أو يعتقد على خلافه لكن يلبس على خصمه؛ وأما أن يفسره على ظاهر العربية، من غير نقل وسماع فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير؛ فمن خلص فهمه عن هذه الآفات لا يشغله الوعيد المذكور، ثم من يؤبد فهمه بنور الكشف والشهود فذلك ما أشار إليه ابن عباس: من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن. ولعلك سمعت فيما سبق ما يفتح عليك الأشكال المذكورة، والله ولي التوفيق في كل الأمور.

ولعل العمر لو أنفق في استكشاف أسرار القرآن وما يرتبط بمقدماتها ولواحقها، لأنقطع العمر قبل استيفائها، وما من كلمة في القرآن إلا وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك، وإنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم، وتوفير دواعيهم على التدبر، وتجردهم للطلب، ويكون لكل واحد حد في الترقي إلى درجة منه، وأما الاستيفاء فلا مطمع فيه، ولو كان البحر مدادًا والأشجار أقلامًا لنفد البحر قبل أن تنفد أسرار القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت