دقيق النطر، عديم النظير فارسًا لا يشق غباره، ولا تلحق آثاره، بطلًا لا يصطلى له بنار، أسدًا ما بين يديه لواقف إلا الفرار. تفقه على أبي زيد المروزي. كان وحيد زمانه فقهًا وحفظًا وورعًا وزهدًا. رحل إليه من الآفاق، فظهرت بركته على مختلفيه. قيل انه كان قفالًا وأبتدأ التعلم وهو ابن ثلاثين سنة. يقال أنه صنع قفلا وزنه أربع حبات من حديد وكان مصابًا بإِحدى عينيه، وكان يغلب عليه البكاء في أثناء الدرس لغلبة الحال. (مات) في سنة سبع عشرة وأربعمائة، وهو ابن تسعين سنة.
ومنهم عبد الله بن عبد الكرم بن هوازن، أبو سعد القشيري، أكبر أولاد الأستاذ أبي القاسم. كان إمامًا كبيرًا جيد القريحة، له النصيب الوافر والحظ الجليل الجزيل من التصوف. كان أصوليًا نحوبًا. مولده سنة أربع عشرة وأربعمائة، وكان والده يعامله معاملة الأقران ويحترمه لما يرى عليه من الطريقة الصالحة. كان ذا حظ وافر من العربية. كان يذكر دروسًا من الأصول والتفسير بعبارة مهذبة، وكانت المسائل على حفظه بأصولها ونكتها، وبرع في علم الأصول بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الأشكال ميال، سباق إلى درك المعاني، وقاف على المدارك والمباني. وأما علوم الحقائق فهو فيها يشق الشعر. وصار مجلس وعظه روضة الحقائق والدقائق، وكلماته محرقة الأكباد والقلوب، ومواجيده مقطرة الدماء من الجفون مكان الدموع. وكانت أوقاته ظاهرًا مستغرقة في الطهارة والصلاة، وباطنًا في مراقبة الحق ومشاهدة أحكام الغيب، لا يخلو وقته عن تنفس الصعداء وتذكر البرحاء والترنم بكلام منظوم او منثور. (توفي) سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
ومنهم عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه، الشيخ أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين، أوحد زمانه علمًا وزهدًا وتقشفًا زائدًا، وتحريًا في العبادات. كان يلقب ركن الإِسلام، له المعرفة التامة بالفقه والأصول والتفسير والنحو والأدب. وكان مهيبًا لا يجري ببن يديه إلا الجد والكلام أما في علم أو زهد أو تحريض على التحصيل. سمع الحديث من القفال وكان ماهرًا في القاء الدروس. درس وأفتى وناظر بنيسابور. وأما زهده