فهرس الكتاب
ويعود فيتعاقبان، وبعيد أن يندفع هذا الصنف بالكلية، وليس محالًا في القلب الذي استولى عليه حب الله عز وجل ولا يخطر بباله غير حديث محبوبه.
اعلم: أن القلب تكتنفه الصفات المهلكة، وتنصب إليه الآثار والأحوال من الأبواب التي ذكرناها، فإذا أثر فيه أحدهما أصابه من جانب آخر ما يضاده فيغير وصفه؛ واليه الإشارة بقوله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) . ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؛ قيل: وتخاف يا رسول الله، قال:(ما يؤمنني والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) ؛ وكان يحك ويقول: (لا ومقلب القلوب) .
والقلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة:
أحدها: قلب عمر بالتقوى وزكي بالرياضة وطهر عن خبائث الأخلاق، تنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب ومداخل الملكوت ومده بجنود لا ترى، ويهدي به إلى خيرات أخر حتى ينجز الخير إلى الخير، وكذلك على الدوام لا يتناهى إمداده بالترغيب في الخير وتيسير الأمر عليه.
وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية، حتى لا يخفى فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء.
وثانيها: قلب المخذول المشحون بالهوى المدنس بالخبائث الملوث بالأخلاق الذميمة، ويكون عقله قد ألف خدمة الهوى واستمر على استنباط الحيل له فينشرح بالهوى، ويوحي القلب زخرفًا من القول غرورًا فلا ينكشف بعقله