فهرس الكتاب

الصفحة 680 من 1503

ورقة. وحكي أنه مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة. ولا منافاة بين الروايتين كما لا يخفى على المتأمل. وكان يقول: اضطررت لنفقة والديَّ ففتقت كميَّ قميصي فبعتهما. توفي سنة عشر وثلاثمائة ولم يغير شيبة. وكان أسمر إلى الأدمة أعي نحيف الجسم مديد القامة فصيحًا رحمه الله.

ومنهم: محمد بن خفيف الشيرازي، الشيخ أبو عبد الله بن الخفيف، شيخ المشايخ، وذو القدم الراسخ في العلم والدين. كان سيدًا جليلًا وإمامًا حفيلًا يستمطر الغيث بدعائه ويؤدب المصر بكلامه، من أعلم المشايخ بعلوم الظاهر وممن اتفقوا علما عظيم تمسكه بالكتاب والسنة. وكانت له أسفار وهدايات، وأحوال عاليات ورياضات. لقي من النساك شيوخًا ومن السلاك طوائف رسخ قدمهم في الطريق رسوخًا. وصحب من أرباب الأحوال أحبارًا، وشرب من منهل الطريف كاسات كبارًا، وسافر مشرقًا ومغربًا، وصابر النفس حتى انقادت له فًاصح مبنى الثناء عليه معربًا، صبر على الطاعة وله جنب لا يدري الفرار، ونفس لا تعرف المأوى إلا البيداء ولا المسكن إلا القفار، وكان من أولاد الأمراء فتزهد حتى قال: كنت أذهب وأجمع الخرق من المزابل وأغسلها، وأصلح منها ما ألبسه، بلغ ما لم يبلغه أحد من الخلق في العلم والجاه عند الخاص والعام، وصار أوحد زمانه مقصودًا من الآفاق، مباركًا على من يقصده، رفيقًا بمريديه، ويبلغ كلامه مراده. وصنَّف من الكتب ما لم يصنفه أحد، وعمر حتى عم نفعه. بقي أربعين سنة يفطر كل ليلة بكف باقلاء، وربما كان يصفي من الغداة إلى العصر ألف ركعة، وكان ربما يقرأ القرآن كله في ركعة واحدة، وإذا أراد أن يخرج إلى صلاة الجمعة يفرق كل ما عنده من ذهب أو فضة، ويخرج في كل سنة جمع ما عنده، وكان يفطر على عشر حبات زبيب، فأشفق بعض أصحابه وجعلها خمس عشرة، فنظر إليه وقال: من أمرك بهذا، وأكل منها عشرًا وترك الباقي. قال افتصدت فخرج من عرقي شبيه ماء اللحم وغشي علي فتخير الفصاد وقال: ما رأيت جسدا بلا دم إلا هذا. رضي الله عنه وقدس سره. ولا نهاية لمناقبه. (توفي) ليلة ثالث رمضان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت