فهرس الكتاب

الصفحة 694 من 1503

ومنهم: محمد بن محمد بن محمد بن احمد الطوسي، الإمام الجليل حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي، جامع أشتات العلوم، والمبرز في المنقول منها والمفهوم. كان ضرغامًا إلا أن الأسود تتضاءل بين يديه وتتوارى، وبدرًا تمامًا إلا أن هداه يشرق نهارًا، وبشرًا من الخلق ولكنه الطود العظيم، وبعض الخلق ولكن مثل ما بعض الحجر الدر النظيم، يناضل عن الدين الحنيفي بحاله ومقاله، ويحمي حوزة الدين لا يلطخ بدم المعتدين حد نصاله، حتى أصبح الدين وثيق العرى، وانكشفت غياهب الشبهات، وما كانت إلا حديثًا يفترى، هذا مع ورع طوى عليه ضميره وخلوة لم يتخذ فيها غير الطاعة سميره، ترك الدنيا وراء ظهره وأقبل على الله يعامله في سره وجهره. ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة. وكان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكان بطوس، فلما حضرته الوفاة وصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير، وقال له: ان لي لتأسفًا عظيمًا على تعلم الخط وأشتهي استدراك ما فاتني في ولدي هذين، فعلِّمهما، ولا عليك ان ينفذ في ذلك جميع ما أخلفه لهما. فلما مات أقبل الصوفي على تعليمهما إلى ان فنى في ذلك النزر اليسير، فقال لهما: أعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما، وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي فأواسيكما، وأصلح ما ارى لكما أن تلجآ إلى مدرسة كأنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما. ففعلا ذلك، وكان هو السبب في سعادتهما، وكان الغزالي يحكي هذا ويقول: طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله.

يحكى أن أباه كان فقيرًا صالحًا لا يأكل إلا من كسب يده في عمل غزل الصوف، ويطوف على المتفقهة ويجالسهم ويخدمهم ويحسن إليهم في النفقة عليهم ما أمكن، وإذا سمع كلامهم بكى وتضج وسأل الله أن يرزقه ابنًا فقيهًا ويحضر مجالس الوعظ، فإذا طاب وقته بكى وسًال الله ابنًا واعظًا. فاستجاب الله دعوته.

أما أبو حامد فكان أفقه أقرانه وإمام أهل زمانه وفارس ميدانه، كلمته شهد بها الموافق والمخالف، وأقر بحقيته المعادي والمؤالف.

و أما أحمد فكان واعظًا تنفلق الصم الصخور عند استماع تحذيره، وترعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت