فهرس الكتاب
واعلم: إن الحب فرع المعرفة والإدراك، ولهذا لا يتصف الجماد بالحب.
ثم المدرك ان كان ملذًا فهو محبوب، وان كان مؤلمًا فهو مبغوض، وما لا يكون مؤلمًا ولا ملذًا فهو لا يكون محبوبا ولا مكروهًا. فالحب عبارة عن ميل الطبع الى الشيء الملذ، فان تأكد ذلك الميل وقوى يسمى عشقًا. والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب فإذا قوى سمي مقتًا.
ثم لما كان الحب تابعًا للإدراك، وكان ذلك منقسمًا الى الحواس، صارت لكل منها لذة مخصوصة؛ فلذة العين في الصور الجميلة، ولذة الأذن في النغمات الطيبة الموزونة. وهكذا لا يخفى ان البصيرة الباطنة ًاقوى من البصر الظاهر. والقلب أشد ادراكًا من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور
الظاهرة للابصار، فإذا لذة القلوب في ادراك الأمور الالهية أتم وأبلغ، ويكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح اليه أقوى، ولا معنى للحب الا الميل الى ما في ادراكه لذة كما عرفت، فإِذا لا ينكر حب الله الا من لم يتجاوز ادراكه رتبة البهائم وقعد في رتبة الحواس.
واعلم: أن كل حي يحب دوام وجوده ويكره الموت والقتل، ويحب أيضًا كمال وجوده ويكره نقصه. ولما توقف كمال الوجود ودوامه على سلامة الأعضاء يحبها أيضًا، ولما كان المال آلة في دوام وجوده يحبه أيضأ، وكذلك لما كان الولد يخلفه في الوجود يحبه أيضًا، وذلك لفرط حبه لبقاء نفسه، لما عجز أن يطمع في بقاء نفسه طمع في أن يبقى جزء منه، وكذلك الأقارب والعشائر لما كانوا وسائل الى كماله يحبهم.
فاذا المحبوب عند كل حي ذاته وكمال ذاته ودوام ذلك كله، والمكروه عنده ضد ذلك كله. فهذا هو أول الأسباب.
والسبب الثاني: الاحسان. فان الانسان عبد الاحسان، وقد جبلت