فهرس الكتاب
القلوب على حب من أحسن اليها وبغض من أساء اليها. وهذا بالحقيقة يتدرج في حب دوام الوجود أو كماله بالمال، الا أنه سبب بعيد والمال قريب.
الثالث: أن يحب الشيء لذاته لا لحظ ينال منه، بل يكون ذاته عين حظه؛ كحب الجمال والحسن من حيث أنه كذلك، لا لأن ينتفع بصاحبه بقضاء الشهوات.
السبب الرابع: أن الحسن والجمال غير منحصر في المحسوسات بل هو في المحسوسات أعظم وأقوى؛ كما يقال: هذا خلق حسن وعلم حسن، وهذه سيرة حسنة وأخلاق جميلة. ألا ترى أن الأنبياء صلوات الله عليهم محبوبون بالطبع عند المؤمنين، وكذا الناس يحبون أبا حنيفة والشافعي ومالكًا مع أنهم لم يروهم، وانما
حبهم لصفاتهم الباطنة من العلم والدين والتقوى.
السبب الخامس: المناسبة الخفية بين المحب والمحبوب:، اذ رب شخص يتأكد المحبة بينهما لا بسبب جمال أو حظ بل بمجرد تناسب الأرواح، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجنده فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) .
ثم أن هذه الأسباب اذا اجتمعت في شخص كان حبه أشد وأقوى وأكمل. وايضًا: يتفاوت بحسب قوة هذه الخصال وضعفها فيه.
ثم ان هذه الأسباب كلها مجتمعة في حق الله تعالى على وجه القوة والكال، فلا محبة فوق محبته عز وجل.
وتفصيل ذلك: ان الحب لأجل دوام الوجود وكماله وبقائه موجود في. حق الله وبالله والى الله، فهو المخترع والمبقي والمكمل، اذ العبد عدم صرف لولا ايجاده تعالى، وهالك محض لولا ابقاؤه تعالى، وناقص لولا تكميله تعالى. وكذا الحب للاحسان فليس الا الله تعالى، فأنه الذي أنعم بخلقك وخلق مالك وخلق قدرتك وارادتك وداعيتك، وكذا كل مال يصل اليك فانما هو من الله تعالى بالذات. واليد الظاهرة وسيلة مضطرة اضطرار مجرى الماء في جريان الماء فيه، فهو المنفرد بالجود والاحسان والطول والامتنان.