فهرس الكتاب

الصفحة 1279 من 1503

ولذلك ترى علماء الدين جهالًا في علوم الدنيا وبالعكس. والجمع بين كمال الاستبصار في مصالح الدين والدنيا لا يتيسر إلا للمؤبدين بروح القدس، وهم الأنبياء، بخلاف سائر الخلق، فإنها إذا شغلت بأحدهما انصرفت عن الآخر.

واعلم: أن للقلب بابين: مفتوح إلى عالم الملكوت، وهو اللوح المحفوظ وعالم الملألكة؛ وباب مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسك بعالم الشهادة والملك. وطريق اكتسابه من الباب الثاني معلوم لكل أحد، وأما طريق اكتسابه من الملكوت: فهوان القلب مستعد لأن يتجلى فيه جلية الحق في الأشياء كلها، وإنما حيل بينه وبينها بالحجب الخمسة - التي ذكرناها - المسدلة بين القلب وبين اللوح المحفوظ، الذي يسطر فيه حقائق الأشياء وجميع ما قضى الله سبحانه إلى يوم القيامة، كما يسطر المهندس صورة أبنية الدار في بياض ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة.

ثم أن الحجاب بينهما تارة يزول باليد وأخرى بهبوب رياح الألطاف، ويكون ذلك تارة في المنام فيظهر له ما سيكون في المستقبل، وتارة في اليقظة فيلمع غرائب العلوم، وتارة كالبرق الخاطف، وأخرى كالتوالي إلى حد ما. ودوامه في غاية الندور، فالحجاب إذا انكشف باختيار العبد فهو الاكتساب، وإلا فالهام ونفث في الروع، وان شاهد معه الملك فهو الوحي.

وهذا الانكشاف - وان لم يكن بالاختيار - إلا أن أسبابه البعيدة داخلة تحته، لأن ذلك بالزهد في الدنيا والتبرؤ من علائقها، وتفريغ القلب من شو اغلها حتى يستوي عند وجود كل شئ وعدمه، والإقبال بكنه الهمة، فمن كان للّه كان الله له.

وينبغي أن لا يفرق فكره في مطالعة تفسير وحديث، بل يداوم أن يقول بلسانه: الله الله إلى أن ينتهي إلى درجة تكون الكلمة جارية على اللسان بلا قصد منه، ثم ينتهي إلى أن يحمى أثره عن اللسان فيصادف قلبه مواظبًا على الذكر، ثم يواظبه إلى أن يمحى عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت