فهرس الكتاب
فانظر كيف ابتدأ الأمر من حاجة القوت والمسكن والملبس وإلى ماذا انتهى، وهكذا أمور الدنيا لا ينفتح منها باب إلا وينفتح بسببه أبواب إلى ما لا يتناهى، كأنها هاوية لا قعر لها، من وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى، وهكذا على التوالي.
هذه هي الأصول، ولا يتم كل منها إلا بفروع لا تحصى كثرة؛ كالبقر آلة للحرث، والفرس آلة الحرب، إلى غير ذلك من الآلات. ولما كان بين الناس مظالم بحكم النفس الإمارة احتاجوا إلى حاكم عدل يصلح بينهم لئلا يختل النظام بسبب المنازعات الواقعة بينهم.
منها: اللصوص والطرار والسلال وأنواع ذلك كثيرة.
ومنها: المكدي، وهم لحبهم البطالة يتكلفون العمى والعرج ونحوهما ويتكففون الناس.
ومنها: أرباب السخرية والمحاكاة، وأصحاب الشعوذة والأفعال المضحكة، وصاحب الأشعار، وأصحاب القرعة والفال، ونحو ذلك. وكلهم استنبطوا الخبل بدقيق الفكر لأجل معاشهم ولكن ضيعوا أنفسهم.
ثم إن فهم الناس في تصور الكمال على طبقات:
فطائفة: غلبهم الجهل والغفلة فيأكلون ليكسبون ويكسبون ليأكلون؛ كما هو حال الفلاحين والمنحرفين. وليس لهم التنعم لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل يتعبون نهارًا ليأكلوا ليلا، ويأكل ليلًا ليتعب نهارًا. ومثاله سير السواني، فهو سفر لا ينقطع إلا بالموت.
وطائفة أخرى: زعموا أن الكمال قضاء الوطر من الشهوات، كشهوة البطن والفرج، فيصرفون همهم إلى اتباع النسوان وجمع لذائذ الأطعمة، يأكلون كما يأكل الأنعام، وبذلك شغلوا عن الله واليوم الآخر.