فهرس الكتاب

الصفحة 1329 من 1503

وطائفة: ظنوا أن الكمال في جمع المال، فأسهروا ليلهم وأتعبوا نهارهم في جمعه، ويتعبون في الأسفار ويترددون في الإخطار طول الليل والنهار، ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحًا وبخلًا عليها أن تنقص، إلى أن يدركه الموت وهو كذلك، وكنوزه تحت الأرض أو في يد من يصرفه ويسرفه في الشهوات، وعليه تعبها ووبالها وللآكل لذتها.

وطائفة: ظنوا أن السعادة في حسن الاسم وكثرة الثناء عليه والمدح بالتجمل والمروءة، فهؤلاء يتعبون في الكسب، ويضيقون على أنفسهم في المطعم والملبس، ويصرفون مالهم إلى الثياب الفاخرة والدواب النفيسة، ويزخرفون أبواب دورهم وما يقع عليه أبصار الناس حتى يقال: انه غني وذو ثروة، فهمتهم في تعهد موقع نظر الناس.

وطائفة: ظنوا أن السعادة في الجاه وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير لهم، فيطلبون الولايات وتقلد الأعمال السلطانية، ويرون انهم بذلك سعدوا سعادة عظيمة، وان ذلك غاية المطلب.

وهذه الطوائف ووراءها طوائف لا يمكن حصرها - تزيد على نيف وسبعين طائفة، كلهم ضلوا وأضلوا، لكثرة الأشغال وتداعى البعض إلى البعض فيهلك في أودية الدنيا، ولو اكتفى بالقسر الضروري اندفعت أشغاله وفرغ قلبه وغلب عليه ذكر الآخرة.

ثم إن طائفة تنبهت لهذه الآفات، فظن بعضهم أن الدنيا دار البلاء وان الآخرة دار السعادة سواء تعبد فيهما أولًا، فرأوا إن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا، وإليه ذهب طائفة من أهل الهند، حتى انهم يتهجمون على النار ويقتلون أنفسهم بالإحراق، ويظنون أن ذلك خلاص لهم من محن الدنيا.

وبعضهم ظن أن القتل لا يخلص، بك لا بد أولًا من أمانة الصفات البشرية وقلعها عن النفس بالكلية، فأقبلوا على المجاهدة وشددوا على أنفسهم، حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة، وبعضهم فسد عقله، وبعضهم مرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت