فهرس الكتاب
ثالثها: من حيث بقاء العلم أبد الآباد مصونًا عن التغير، والعبد متى كان علمه بمعلومات كثيرة أو منكشفة أو باقية كان أقرب إلى الله تعالى.
ثم المعلومات: أما متغيرات وهي التي يمكن انقلابها، وأما أزلية وهي جواز الجائزات ووجوب الواجبات واستحالة المستحيلات، فان هذه معلومات أبدية أزلية ثابتة. ومن هذا القبيل: معرفة الله، وما يجب له، وما يستحيل في صفاته ويجوز في أفعاله، وحكمته، في ملكوت السماء والأرض، وترتيب الدنيا والآخرة. وهذا القسم هو الكمال الحقيقي، يقرب من يتصف به من الله تعالى، ويبقى كمالا للنفس بعد الموت، ويكون نورًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا اتمم لنا نورنا، وينطوي فيه جميع المعارف المحيطة بالموجودات لأنها من أفعاله تعالى. وهذه الكمالات وان كانت كمالات في رتبة الإنسانية ليست كمالات حقيقية بالنسبة إلى علمه تعالى لما عرفت، وكذا القدرة، فليس فيها كمال حقيقي وليس له قدرة حقيقية، وإنما القدرة الحقيقية للّه تعالى، وما يحدث من الأشياء عقيب قدرته وارادته وحركته فهي حادثة بأحداث الله تعالى.
وكمال العلم يبقى للعبد بعد الموت ويوصله إلى الله تعالى فأما كمال القدرة فلا. نعم: له كمال من جهة قدرته على أسباب العلم: كسلامة أطرافه. وحواسه، لكن في الحال، وبالإضافة إلى الجهال؛ وانما الكمال الحقيقي للعبد القرب من الله تعالى ومن ملائكته، وهو: أما بالعلم وقد ذكرناه، أو بالحرية وهي: الخلاص عن أسر الشهوات وغموم الدنيا، والاستيلاء عليها بالقهر تشبهًا بالملائكة، فإذا الكمالات ثلاثة: العلم والقدرة والحرية، وان كمال القدرة بالمال والجاه ظني لا أصل له الا قدر ما يصل إلى الكمال.
اعلم: انه كما يلزم للإنسان من أدنى مال يتوصل به إلى الآخرة كذلك لا بد لها من أدنى جاه يتوصل به إليها؛ كخادم يعينه، وأستاذ يرشده ويعلمه،