فهرس الكتاب
واعلم: أن الإيمان أما بعلوم المكاشفة؛ كمعرفة اللّه تعالى وصفاته وكتبه ورسله، أو بعلوم المعاملة؛ كمعرفة الطاعات والمعاصي، فمن فقد هذا الإيمان ربما ينفي عنه اسم الإيمان، كقوله صلى اللّه عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني مؤمن) ؛ أي: ينفي عنه الإيمان بكون الزنا مبعدًا عن اللّه تعالى، وإلا لما فعله العاقل، لا أن الإيمان بعلوم المكاشفة منفي عنه. فالعاصي بالضرورة ناقص الإيمان، بمعنى عدم التصديق بعلوم المعاملة، وإلا لما فعل ذلك الفعل، ومع ذلك فهو قريب من أن تنقلع شجرة إيمانه عند مقدمة قدوم ملك الموت، وخيف عليه سوء الخاتمة.
وإذا كانت المعاصي بمنزلة السموم المهلكة وكان العاقل يتجنبها في الحال، كذلك يجب على العاقل أن يتجنب عن المعاصي على الفور، بل ذلك أولى لأنها هلاك الأبد. ولا يخفى ان وجود الأصل وان لم يتوقف على وجود الفرع لكن ربما يتوقف بقاؤه عليه، فلا ينبغي الإهمال شأن الأعمال أيضًا.
ثم أن عموم الناس محتاجون إلى التوبة، إذ الشهوات جنود الشيطان، والعقول جنود الملائكة، وبينهما قتال دائمًا، إلا أن قوة جنود العقل بعد الأربعين، وإلى زمان قوته تقوى جنود الشياطين.
وإذا قوي جنود العقل يكون أول عملهم قمع الجنود الشيطانية، وليس ذلك إلا بالتوبة الواجبة لكل ادمي نبيًا كان أو غبيًا، بل هو حكم أزلي مكتوب على جنس الأنس لا يمكن فرض خلافه ما لم تتبدل السنة الإلهية التي لا مطمع في تبديلها. ولما لم يخل كل إنسان عن الخطأ والنسيان في كل وقت وان وجبت عليه المواظبة على التوبة في كل زمان، إذ لا يتم حاله بعدم الذنب في الاستقبال بل عليه أن يزيل آثار المعاصي في الزمان الماضي، فليس ذلك إلا بالمواظبة على التوبة.