فهرس الكتاب
وهو انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، فكل من عدل عن شيء إلى غْيره بمعاوضة وبيع وغيره فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهدًا، وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحبًا، فلا بد في الزهد من مرغوب عنه ومرغوب فيه. ويشترط أن يكون المرغوب عنه مرغوبًا فيه بوجه من الوجوه؛ فتارك التراب والحجر مثلًا لا يسمى زاهدًا، وبشرط أن يكون المرغوب فيه خيرًا من المرغوب عنه عنده فالمشترى خير من المبيع عنده.
فكل من باع الدنيا بالآخرة وبالعكس فهو زاهد في وضع اللسان، الا أن العرف جرى بتخصيصه بالأول. والذي يرغب عن كل ما سوى اللّه فهو زاهد مطلق، والذي يرغب عن الدنيا بل طمع في الحور والقصور فهو زاهد أيضًا ولكنه دون الا ول، والذي يترك بعضًا من حظوظ الدنيا - كأن يترك المال دون الجاه - فلا يستحق اسم الزهد مطلقًا وان جاز إطلاقه عليه، كما أن إطلاق التوبة على من يتوب عن بعض المعاصي وان كانت توبة، لكن التائب مطلقًا من يتركها كلها. ثم ان المقتصر على ترك المحظوران لا يسمى زاهدا بل العرف خصه بترك المباحات.
فظهر من هذا كله: أن الزهد رغبة عن الدنيا إلى الآخرة، وعن غير الله إلى الله عز وجل، وهي الدرجة العليا.
ثم أنه يشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورًا عليه، كما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيرًا عنده. ولذلك قيل لأبن المبارك: يا زاهد، فقال: الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا راغمة فتركها، وأما أنا ففيما ذا زهدت؟.
هذا الذي ذكرناه هو الحال المسمى بالزهد. وان هناك علمًا مثمرًا لهذه الحال، وعملًا يثمره الحال.
أما العلم: فهو معرفة كون المتروك حقيرًا بالإضافة إلى المأخوذ، ولا شك