فهرس الكتاب

الصفحة 1440 من 1503

وبالجملة: الأخذ بالرضا بأن يعلم أن المسؤول لو علم لابتدأ بالعطاء، فلا يكون منك الا أعلام حاجتك فهو حلال، والأخذ بالحياء حرام، وبينهما أمور مشتبهات، فاستفت فيها قلبك.

واعلم: ان مقدار الغنى المحرم للسؤال يتوقف على تفصيل وهو أنه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لاحق لابن آدم الا في ثلاث: طعام يقيم به صلبه، وثوب يواري عورته، وبيت يسكنه فما زاد فهو حساب) . هذه أجناسها.

وأما أقدارها: فالثوب مثلًا يراعي فيه ما يليق بذوي الدين، وهو ثوب واحد: قميص ومنديل وسراويل ومداس. وكذا أثاث البيت لا يطلب كون الأواني من النحاس والصفر فيما يكفي في الخزف، فيقتصر العدد على واحد، ومن النوع على أخس أجناسه ما لم يكن في غاية البعد عن العادة. وأما الطعام فقدره في اليوم مد وهو ما قدره الشرع، ونوعه ما يقتات ولو الشعير، والأدم على الدوام فضلة، وقطعه بالكلية أضرار، وفي طلبه في بعض الأحوال رخصة. وأما المسكن فأقله ما يجزي من حيث المقدار، ذلك من غير زينة.

تم هذه الأمور مما يحتاج إليه حقيقة. ثم الحاجة إليها: أما في الحال، من طعام يوم وليلة، أو ثوب يلبسه، أو مأوى يسكنه، فلا شك في حل السؤال له؛ وأما في المستقبل فثلاث درجات: أما ما يحتاج إليه في غد أو بعد أربعين يوما أو خمسين أو بعد سنة، فالسائل الذي له ولعياله قوت سنة وفسؤاله حرام لأن ذلك غاية الغنى. وأما ما دون السنة فلا يحل له السؤال أن كان غنيًا في الحال، الا أن يخاف فوت الفرصة في الاستقبال بأن لا يجد من يعطيه إذا أخر، لأن البقاء سنة ممكن عادة. وان كان خوف العجز في المستقبل ضعيفًا وكان ما لأجله السؤال خارجًا عن محل الضرورة، لم يخل سؤاله عن كراهة.

وبالحقيقة: جانب ترك السؤال أعلى، لأن السؤال من ضعف اليقين، والإصغاء إلى تخويف الشيطان. وحال من يسأل الحاجة وراء يومه، وحال من ملك مالا موروثًا وادخره لحاجة وراء السنة سيان في كونهما حب الدنيا وطول الأمل وعدم الثقة بفضل اللّه، وان كانا مباحين في الفتوى الظاهرة واللّه أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت