فهرس الكتاب
وبالجملة: إذا أتبعت قوة العلم على الشهوة والغضب صار شيطانًا في صورة إنسان، والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان ببصيرته، ويكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه وهو الخنزير، ويدفع ضرارة الكلب بتسليط الخنزير عليه، ويجعل الكل مقهورًا تحت سياسته فيحصل صفة العدل؛ وإلا فيكون دائمًا في عبادة كلب وخنزير، ومع ذلك ينكر على عبدة الأصنام عبادتهم للحجارة ونفسه يعبد الكلب والخنزير، كما يراه المكاشفون تارة في النوم وتارة في اليقظة على عكوفه في عباده هذين.
فحصل له من طاعة خنزير الشهوة: الوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرئاء والهتك والمجانة والعنت والحرص والجشع والملق والحسد والشماتة ونحوها؛ ومن طاعة كلب الغضب: صفة التهور والنذالة والبذخ والصلف والاستشاط والتكبر والعجب والاستهزاء والاستخفاف وتحقير الخلق وإراحة الشر وشهوة الظلم ونحوها؛ ومن طاعة شيطان الشهوة والغضب والمكر والحيلة والخداع والدهاء والجر بزة والتلبيس والتضريب والغش والخبث وأمثالها؛ ولو عكس الأمر وقهر الجميع تحت رياسة الصفة الربانية، استقر في القلب صفات ربانية: من العلم والحكمة والإحاطة بحقائق الأشياء كما هي، والاستيلاء على الكل بقوة العلم والبصيرة، يحصل له من رد خنزير الشهوة إلى الاعتدال صفات شريفة: من العفة والقناعة والهدوء والزهد والورع والتقوى والانبساط وحسن الهيئة والحياء والظرف والمساعدة وأمثالها، ومن كسر قوة الغضب وقهرها وردها إلى حد الواجب: صفة الشجاعة والكرم والنجدة وضبط النفس والصبر والحلم والاحتمال والعفو والثبات والشهامة والوقار وغيرها.
واعلم: أن كل قلب فهو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق، لأنه أمر رباني شريف فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف، وتلك الخاصية قد عبر الله عز وجل عنها بالأمانة التي حملها الإنسان وأبت عن حملها السموات والأرض والجبال: لكن هناك أسباب مانعة من معرفة حقائق العلوم، وهي خمسة: