ولينظر: هل كان أحوال الصحابة وأعمالهم التدريس والتصنيف والمناظرة والقضاء والولاية وتولي الأوقاف وأموال الأيتام ومخالطة السلاطين، أم الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة ومراقبة الظاهر والباطن واجتناب دقيق الاثم وجليله، إلى غير ذلك.
واكثر معروفات هذه الأعصار منكرات عصر الصحابة: كتزيين المساجد وتنجيدها، وانفاق الأموال العظيمة في دقائق عماراتها، والفرش الرفيعة فيها، وقد كان فرش البواري في المسجد من بدع الحجاج، وكانوا لا يجعلون بينهم وبين التراب حاجزًا؛ ومن ذلك التلحين في الآذان والقرآن، ومن ذلك التعسف في النظافة والوسوسة في الطهارة، مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها الى غير ذلك. فاذا سمعت هذه الأوصاف، فكن من أهل الانصاف، بأن تتصف بها أو تقر بتقصيرك فيها، واياك وإياك أن تكون الثالث الشقي، فتصير من البطالين حتى تلحق بزمرة الهالكين. فنعوذ بالله من خدع الشيطان وبها هلك الجمهور، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن لا يغره الحياة الدنيا ولا يغره بالله الغرور.
اعلم أن شرف العقل معلوم بالضرورة، ولا سيما قد ذكرنا شرف العلم، والعقل منبعه ومطلعه وأساسه، ويجري منه مجرى الشجر من الثمر، والنور من الشمس، والرؤية من العين، فما يدل على شرف العلم دليل على شرف العقل بالضرورة، وكيف لا يشرف وهو وسيلة السعادة في الدنيا والآخرة، أو كيف يستراب فيه وأعظم البهائم بدنا وأشدهم ضراوة وأقواهم سطوة، إذا رأى الانسان احتشم وهابه، لشعوره بما يختص به من العقل الذي تسهل به الحيل، وكذلك ترى كثيرًا من الأتراك وأجلاف العوام من الأتراك - مع قرب رتبتهم من البهائم - يوقرون مشايخهم بالطبع.