فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 1503

ثم اعلم أن العقل يطلق على معان:

أحدها: الوصف الذي يفارق الانسان به سائر البهائم، وبه استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية. وهذا ما قيل في حده أنه غريزة يتهيأ بها درك العلوم النظرية، وكأنه نور يقذف في القلب، به يستعد لإدراك الأشياء.

وثانيها: أنه بعض العلوم الضرورية لجواز الجائزات واستحالة المستحيلات؛ وهي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز وهو أيضًا صحيح، لأن هذه العلوم موجودة، وتسميتها عقلًا ظاهرة؛ إذ يقال: صار الصبي عاقلًا، وهو بهذا المعنى. وأما من أثبت هذا ونفى المعنى الأول - أعني الغريزة المذكورة - فقد أخطأ.

وثالثها: علوم تستفاد من التجارب لهذه الأحوال، فان من هذبته التجارب، يقال له في العرف: عاقل؛ ويقابله: غبي غمر جاهل.

ورابعها: أن تنتهي قوة تلك الغريزة، الى أن يعرف عواقب الأمور، ويقمع الشهوة الداعية الى اللذة العاجلة ويقهرها، وهي الغاية القصوى للقوة الغريزية المذكورة. والمعنيان الأولان بالطبع للانسان، والأخيران بالاكتساب.

ثم اعلم أن التفاوت يتطرق الى هذه الأقسام، سوى الثاني منها، لأن الضروري لا تفاوت فيه؛ وأما الرابع فلا يخفى تفاوت الناس فيه: وذلك بالتفاوت في الشهوة، إذ يغلب بعض الشهوة في البعض فلا يقدر على تركه، ويضعف في الآخر فيتركه، وقد يتفاوت في شخص واحد، فان الشاب لا يقدر على ترك الزنا بخلاف الشيخ غالباَ؛ وأما بالتفاوت في العلم بغائلة الشهوة، كالعامي والعالم في معرفة ضرر المعصية؛ وأما الثالث فان الناس متفاوتون في علوم التجارب: إذ قد يتفاوت الانسان في الغريزة والتجارب ثمرتها، وقد يتفاوت في الممارسة فيتفاوت التجارب؛ وأما الأول - أعني تفاوت الغرائز - فلا سبيل الى جحدها، لأن من جوز أن عقل النبي صلى الله عليه وسلم مثل عقل السوادية واجلاف البوادي، فقد خلع ربقة الإنسانية عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت