فهرس الكتاب
واستبعد تخلفه عن قضاء حقوقه كان مدلًا عليه، فالإدلال وراء العجب، فلا يدل إلا وهو معجب، ورب معجب لا يدل، فان توقع إجابة اللّه دعوته واستنكر ردها بباطنه وتعجب منه كان مدلًا بعمله، وهو من مقدمات الكبر.
والعجب جهل وعلاجه المعرفة؛ مثلًا: الورع إنما يعجب به من حيث أنه محله ومجراه، أو من حيث أنه منه ولقدرته وقوته. والعجب بالأول جهل محض إذ لا فخر بما ليس أمره إليه، وبالثاني أيضًا كذلك. فيتأمل في قدرته وإرادته وسائر الأسباب التي بها يتم علمه أنه من أين كان له ذلك، فان كان جميع ذلك من نعمة من اللّه، من غير حق سبق له ومن غير وسيلة يدلي بها، فينبغي أن يكون إعجابه بجود اللّه وكرمه وفضله، فكل كمال وعلم وجمال من فضل اللّه، وإنما هو محل لفيضان فضله وجوده، والمحل أيضًا من جوده وفضله.
فان ادعيت أن كل ذلك أعمالي حتى أرجو لها ثوابًا، فأعلم: أنك وقدرتك وإرادتك وحركتك كل ذلك من خلق اللّه واختراعه، فما عملت إذ عملت؛ كما قال تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) . هذا هو الحق الصريح الذي انكشف لأرباب القلوب بمشاهدة أوضح من أبصار العين.
وأما كيفية الثواب فسيجيء في كتاب الشكر.
وأيضًا مفاتيح الأعمال: القدرة والإرادة والعلم، وهذه بيد اللّه تعالى لا محالة، فتحريك البواعث وصرف العوائق وتهيئة الأسباب ليس شيء إليك، فمن العجائب أن تعجب بنفسك ولا تعجب بمن إليه الأمر كله، ولا تعجب يجوده وفضله وكرمه في إيثاره إياك على الفساق من عباده. وسيأتي ما يستبين به أنه لا فاعل إلا هو ولا خالق سواه، ومن غفل عن ذلك ربما يقول: يا رب لم