فهرس الكتاب
ويبقى معنى الكلمة مجردًا في قلبه حاضرًا فيه كأنه لازم له لا يفارقه، ثم يسلب عنه الاختيار في استجلاب رحمة الله فيبقى منتظرًا لما يفتحه الله عليه من نفحاته، فتلمع لوامع الحق في قلبه كالبرق الخاطف، ثم يعود يدوم زمانًا.
أعلم: أن أهل النظر لم ينكروا وجود هذا الطريق وإمكانه وإفضاءه إلى المقصود، لكن استو عروه واستبطأوا ثمرته واستبعدوا اجتماع شروطه، وزعموا أن محو العلائق إلى هذا الحد كالمتعذر، وان حصل فثباته أبعد منه إذا دنا وسواس وخاطر يشوش القلب، وفي أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج ويختلط العقل ويمرض البدن، فالاشتغال بطرق التعلم أوثق وأقرب إلى الغرض.
الا أن المفهوم من الآيات والأحاديث كون علم التصفية أفضل من العلم المكتسب؛ سئل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن قوله: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) ، ما هذا الشرح، قال: (هو التوسعة، أن النور إذا قذف به في القلب اتسع له الصدر وانشرح) ؛ وقال صلى الله عليه وسلم: (ولو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالم سوى النبيين والرسل لرجح) ؛ وقال صلى الله عليه وسلم: (أن من أمتي محدثين ومكلمين وان عمر منهم؛ والمحدث: هو الملهم، والملهم: هو انكشف له في باطن قلبه من جهة الداخل لا من جهة المحسوسات الخارجة، والقرآن مصرح بأن التقوى مفتاح الهداية والكشف وذلك علم من غير تعليم.
وقال علي رضي الله عنه: ما عندنا شئ أسره النبي صلى الله عليه وسلم. إلينا، إلا أن يؤتى الله سبحانه عبدًا فهمًا في كتابه، وليس هذا بالتعلم.
ثم أن الصواب لمن يريد طريق الآخرة: أن يقدم تعلم العلوم الدينية، ثم يبتدئ طريق التصفية، إذ ربما تتشبث بالقلب خيالات فاسدة، وربما يبقى