فهرس الكتاب
وعادة سالكي طريق الآخرة الامتناع من إلادام على الدوام لئلا تأنس أنفسهم باللذات فيكرهوا الموت ولقاء الله.
وينبغي إن يعلم ههنا إن ما ورد من مدح الجوع تارة والأمر بالاعتدال أخرى لا يتضادان، بل الطبع المعتدل الأليق به الجوع المفرط ليتعود الاعتدال، وإلا فالجوع المفرط في نفسه مذموم، وإنما يمدح لترضي النفس بالاعتدال، وما وقع في الشرع من الاختلاف فبالنظر إلى اختلاف الطبائع. ولهذا يأمر الشيخ المريد بالإفراط في الجوع والاحتماء عن اللذائذ وهو الجوع ويتلذذ بالفواكه، ومما ينبغي إن يحترز عنه إن يشتهي شيئًا ويخفيه عن الناس، بل الأحب إن يظهرها، إذ الكذب مع
الإخفاء كذبان فيكون مستحقًا لمقتين، ولا يرش منه إلا بتوبتين، ولذلك شدد أمر المنافقين لأن سره لكفره كفر آخر: استخف بنظر الله إلى قلبه، وعظم نظر المخلوقين. وإن يحترز إن يفرح بترك الشهوة ويشتهر بذلك، لأنه قد خالف شهوة الأكل وأطاع شهوة هي أشد منها وهي شهوة الجاه، وذلك كمن هرب عن عقرب إلى حية، وشهوة الرياء بكثير من شهوة ا لطعام.
ولها فائدتان:
إحداهما: إن يقيس للذتها لذة الآخرة فيرغب فيها.
وثانيتهما: بقاء النسل ودوام الوجود.
وفيها آفات إن لم تعتدل: أما إفراطها بأن يجر إلى اقتحام الفواحش، أو بأن يصرف همته التمتع بالنساء والجواري فيحرم عن سلوك طريق الآخرة. وقد ينتهي بطائفة إلى تناول المقويات فيؤدي إلى التنعم، وبطائفة أخرى إلى العشق وهو غاية الجهل بما وضع له الو قاع، ويستسخر عقله لخدمة الشهوة وهو مخدوم لها لا خادم، والعشق مرض قلب فارغ لا همة له.