وكان الوالي حسن الرأي فيه، فقال له: قل فيما بيني وبينك فقال: أنه يقتدى بي مائة ألف ولا يدرون المعنى. وكان أمر أن يحمل إلى بغداد في أربعين رطل حديد. قيل: إن من سعى به ثلاثة: المزني وحرملة وابن الشافعي. قال البويطي: بريء من دمي إلا ثلاثة: المزني وحرملة وآخر. قيل: وإنما أيهم الثالث رعاية لحق والده رضي الله عنهم. ثم حبسوه، وكان يغتسل كل جمعة ويتطيب ويغسل ثيابه، ثم إذا سمع النداء كان يخرج إلى باب السجن فيرده السجان ويقول: أرجع رحمك الله، فيقول البويطي: اللهم أني أجبت داعيك فمنعوني. قال أبو عمرو المستملي: حضرنا مجلس محمد بن يحيى الذهلي فقرأ علينا كتاب البويطي: والذي أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل الحديث لعل الله يخلصني بدعائهم، فإني في الحديد وقد عجزت عن أداء الفرائض من الطهارة والصلاة، فضج الناس بالبكاء والدعاء له. قال السبكي: أنظر إلى هذا الحبر لم يكن أسفه إلا على أداء الفرائض ولم يبال بالقيد ولا بالسجن فرضي الله عنه وجزاه عن صبره خيرًا، لقد قام مقام الصديقين. مات البويطي سنة إحدى وثلاثين ومائتين في سجن بغداد في القيد والغل.
ومنهم: يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن حبان، الإمام الكبير أبو موسى الصدفي، الفقيه المقري. (ولد) في ذي الحجة سنة سبعين ومائة. قرأ القرآن على ورش وغيره واقرأ الناس وسمع الحديث من سفيان بن عيينة وابن وهب والوليد بن مسلم ومعن بن عيسى وأبي ضمرة، أنس بن عياض والشافعي، وأخذ عنه الفقه، وطائفة أخرى. وروى عنه مسلم والنسائي وابن ماجة وأبو عوانة وأبو بكر بن زياد النيسابوري وأبو الطاهر المديني، وخلق. وانتهت إليه رياسة العلم بديار مصر. قال الشافعي: ما رأيت بمصر أحدًا أعقل من يونس. وقال يحيى بن حسان: يونسكم هذا ركن من أركان الإسلام. (مات) سنة أربع وستين ومائتين.
وأعلم أنا نختم بذكره رواة الشافعية الذين تفقهوا عليه، ثم نذكر بعد هذا مشاهير الأئمة من المتمذهبين بمذهبه، إذ أحاطة الكل ممتنع في هذا الكتاب إذ قد كثر عليا المجلدات الكبار.