فهرس الكتاب

الصفحة 1476 من 1503

المشاهدة والتجلي تسمى رؤية، لكن لا بصورة مخصوصة ولا بجهة ومكان فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب. ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا فرق الا من حيث زيادة الكشف والوضوح. فيظهر منه أن من لم يعرف الله في الدنيا كيف يراه في الآخرة.

ولما كانت المعرفة على درجات كان التجلي أيضًا على درجات متفاوتة، اذ تختلف بقلتها وكثرتها وقوتها وضعفها وجنسها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ان الله تعالى يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة) . وذلك لأنه لما فضل الناس في الدنيا بسر وقر في صدره فضل لا محالة بتجل انفرد به.

فإن قلت: كيف يقاس لذة النظر إلى وجه الله تعالى بلذة المعرفة في الدنيا وهي ضعيفة فأعلم: ان استحقار لذة المعرفة للخلو عن المعرفة، والا فلذتها فوق سائر اللذائذ، بل للعارفين لذائذ لم يستبدلوا بها في الدنيا الجنة، مع ان هذه اللذة لا نسبة لها أصلًا إلى لذة اللقاء والمشاهدة.

فإن قلت: فهل محل الرؤية في الآخرة القلب أو العين، فاعلم: ان أرباب البصائر مطمح نظرهم الرؤية بأي آلة وقعت، وأما أهل النظر فقد اختلفوا، والحق إنها بالعين كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ليكون لفظ الرؤية والنظر وأمثال ذلك مما ورد في الشرع مجرى على ظاهره، اذ لا يجوز صرف الألفاظ عن الظواهر إلا لضرورة.

اعلم: أن أسعد الناس حالًا وأكملهم لذة في الآخرة أقواهم حبًا لله تعالى. وأصل الحب لا ينفك عنه مؤمن اذ لا ينفك عن أصل المعرفة، وأما قوة الحب المنتهى رتبة العشق فذلك ينفك عنه الأكثر ون. وإنما طريق تحصيله: قطع علائق الدنيا وإخراج حب غير الله من القلب، وكمال الحب في أن يحبه بكل قلبه فبقدر ما يشتغل بغير الله ينقص منه. ومنه: حب المال والأهل والولد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت