فهرس الكتاب
في الثاني. ولهذا قال ابن مسعود: الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، وقد يرفع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
وأيضًا: لما كان الصبر مقاومة بواعث الهوى، وكان الهوى قسمين: الشهوة والغضب، وصار الصوم دافعا للشهوة دون الغضب، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (الصوم نصف الصبر) ، فيكون الصوم ربع الإيمان. فهكذا ينبغي أن يفهم تقديرات الشرع لحدود الأعمال، والحدود ليس تلك التقديرات مما يرمي به جزافًا كما توهمه الجهلة أرباب الضلال.
ثم أن الصبر يسمى بأسماء مختلفة، فيظن الجهال أشياء متغايرة؛ مثلًا: الصبر عن شهوة الفرج يسمى عفة؛ وعن مصيبة يخص باسم الصبر ويضاده الجزع والهلع؛ وعن الغنى يسمى ضبط النفس ويضاده البطر؛ وعن القتال والحرب يسمى شجاعة ويضاده الجبن؛ وعن الغضب حلمًا ويضاده التكبر؛ وعن إفشاء الكلام يسمى كتمان السر؛ وعن فضول العيش يسمى زهدًا ويضاده الحرص؛ وعن العيش اليسير يسمى قناعة ويضاده الشره.
فأكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر، ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما سئل عن الإيمان: (هو الصبر) ، وذلك لأنه أكثر أعماله وأعزها، وقد جمع اللّه تعالى هذه الأقسام وسماها صبرًا فقال: (والصابرين في البأساء) أي: المصيبة (والضراء) أي: الفقر (وحين البأس) ؛ أي: المحاربة (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) .
وهي ثلاثة:
أحدها: أن يقهر داعي الهوى ويسقط بالكلية منازعة باعث الدين فتسلم نفسه إلى جند الشيطان، وهؤلاء الغافلون، وهم الذين غلبت عليهم شقوتهم