فهرس الكتاب
واعلم أن المتقدمين من علماء الكلام، لما رأوا أن الغاية القصوى من العلوم معرفة الله تعالى وصفاته، وما يتفرع عليها من أحوال النبوة والمعاد، بحثوا عن هذه الأمور، وجعلوا البحث عما تتوقف هي عليه من أحوال الوجودات بطريق المبدئية، على قدر الحاجة، ولذلك ترى كتب الأقدمين عن السلف الصالحين، مقصورة على المباحث المذكورة.
ثم أن من يليهم من العلماء، لما رأوا أن تلك المبادىء من مسائل العلم الإلهي، وتحاشوا عن أن يحتاج علم العقائد إلى علوم الفلاسفة، عمموا موضوعه، فبحثوا عن أحوال الموجودات الخارجية مطلقًا، ليكون لهم علم شرعي بازاء العلم الإلهي للفلاسفة، ويمتاز عنها بأن يبحث في الكلام على قواعد الشرع، وفي الإلهي على مقتضى العقول، وافق الملل والشرائع أم لا.
ثم أن من يليهم من العلماء، لما رأوا أن علمهم هذا لا يستغني عن القواعد المنطقية التي وضعنها الفلاسفة، ورأوا أن احتياج علم شرعي إلى علم غير شرعي، غير مرضي عند المتشرعين، عمموا موضوع العلم المذكور مرة أخرى، وجعلوا موضوعه المعلوم المتناول للموجود الخارجي والموجود الذهني، الذي هو موضوع المنطق، وذلك لأن موضوعه المعقولات الثانية الموجودة في الذهن فقط، فعلى هذا الذي استقر عليه رأيهم آخرًا، صار موضوعه أعم المفهومات كلها، بحيث اندرج فيها موضوعات جميع العلوم. وقد تقرر في موضعه أن الأصالة والفرعية بين العلوم العقلية، أن يكون موضوع الفرع من أنواع موضوع الأصل، فعلى هذا يكون جميع العلوم، من فروع علم الكلام، لأن موضوعه أعم الموضوعات كلها، ولهذا لم نتعرض لفروع علم الكلام أصلًا، لا لعدم فروعه.