فهرس الكتاب
الأسباب ومرتبها. فمن سبق له في الأزل السعادة يسرت له هذه الأسباب حتى تقوده بسلسلتها إلى الجنة. ويعبر عن مثله بأن كلا ميسر لما خلق له، ومن لم يسبق من اللّه له الحسنى بعد سماع كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء، فإذا لم يسمع لم يعلم، وإذا لم يعلم، لم يخف، وإذا لم يخف لم يترك الركون إلى الدنيا، وإذا لم يترك الركون إلى الدنيا بقي في حزب الشيطان وان جهنم لموعدهم أجمعين.
وإذا عرفت هذا: تعجبت من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل، فما من أحد إلا وهو مقود إلى الجنة بسلاسل الأسباب وهو تسليط العلم والخوف عليه، وما من مخذول إلا وهو مقود إلى النار بالسلاسل وهو تسليط الغفلة والأمن والغرور عليه. فالمتقون يساقون إلى الجنة قهرًا، والمجرمون يقادون إلى النار قهرا، ولا قاهر إلا الواحد القهار، ولا قادر إلا الملك الجبار. وعند معاينة هذا يسمع نداء: لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار، وذلك كل يوم لا ذلك اليوم على الخصوص، ولكن الغافلين لا يسمعونه إلا ذلك اليوم على الخصوص. نعوذ باللّه من الجهل والعمى فأنه أصل أسباب الهلاك والعياذ باللّه.
واعلم: أنه لا بد في تحصيل الشكر من معرفة ما خلق كل شيء له، وطريقة الآيات وإلاخبار، وذلك ظاهر؛ وأما النظر بعين الاعتبار وهذا عسير جدًا، ولهذا احتيج إلى إرسال الرسل.
مثلًا: كل شيء في العالم له حكمة؛ أما جلية كالضياء من الشمس والمطر من الغيم؛ أو دقيقة كالحكمة من الكواكب السيارة وغيرها. ثم كل ذرة لا تخلو عن حكم كثيرة من واحد إلى عشر بل إلى ألف.
فمن استعمل شيئًا فيما خلق له من الحكمة صار شكراَ وإلا صار كفرًا؛ مثلًا: اليد خلقت ليدفع بها عن نفسه ما يهلكه ويأخذ ما ينفعه لا ليهلك بها غيره، فمن ضرب غيره بيده فقد كفر نعمة اليد، وكذا لو استنجى باليمين فقد كفر ما خلقت له اليمين من استعمالها في أشرف الأمور، وكذا البصر مثلا إنها خلقت