فهرس الكتاب
وذلك لأن المراد بالشكر ليس إلا انصراف نعمة الله في جهة محبة اللّه، فإذا انصرفت في جهة المحبة بفعل العبد لفعل اللّه فقد حصل المراد، وفعلك عطاء من الله.
ومن حيث انه فعله فقد أثنى عليك، وثناؤه نعمة أخرى منه إليك، فهو الذي أعطى وهو الذي أثنى، وصار أحد فعليه سببًا لانصراف فعله الثاني إلى جهة محبة اللّه، فله الشكر على كل حال.
وأنت موصوف بأنك عالم وعارف ولا بمعنى انك خالق علم وموجد بل بمعنى أنك محل له، وقد وجد بالقدرة الأزلية فيك، فوصفك بأنك شاكر إثبات مشيئة. فقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أعملوا وكل ميسر لما خلق له) يريد به: أن الخلق مجاري قدر اللّه ومحل أفعاله وان كانوا هم أيضا من أفعاله، ولكن بعض أفعاله عل لبعض؛ وقوله: اعملوا، وان كان جاريًا على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فهو فعل من أفعال الله عز وجل، وهو سبب لعلم الخلق بأن العمل نافع وان علمهم فعل من أفعال اللّه.
والعلم سبب لانبعاث داعية جازمة إلى الحركة بالطاعة، وانبعاث الداعية أيضًا من فعل اللّه، وهو سبب لحركة الأعضاء، وهي أيضًا من أفعال اللّه، ولكن بعض أفعاله كان سببًا لبعض أفعاله، أي الأول شرط للثاني، أي أنه لا يستعد لقبول العلم إلا ذو حياة ولا لقبول الإرادة إلا ذو علم، فيكون بعض أفعاله سببًا للبعض بهذا المعنى لا بمعنى ان بعض أفعاله موجد لغيره بل ممهد شرط الحصول لغيره. وهذا إذا حقق يرتقى إلى درجة التوحيد الذي ذكرناه.
واعلم: ان هذا التمهيد مما لا تجده في كتب أحد فلا تغفل عن تحصيله وإذعانه. ثم انك إذا عرفت ذلك لعلك تتبع شيطان الوهم، وتقول: وإذا لم يكن إلينا شيء بك رجع الكل إلى اللّه فلا نذم أصلًا فلا حاجة إلى الطاعة.
فنقول: اعلم ان قول الله تعالى: (اعملوا) سبب لحصول اعتقاد فينا بوجوب العمل، وذلك سبب لهيجان الخوف، وهو سبب لترك الشهوات والتجافي عن دار الغرور، وذلك سبب للوصول إلى جوار اللّه، والله مسبب